لبنان يستعيد صوته: حين تتقدّم الدولة ويتراجع 'الفيتو المسلّح'

فالدولة التي تفاوض لا تخون، بل تمارس حقها الطبيعي في إدارة مصالحها، خصوصًا حين تكون البدائل هي الحرب المفتوحة أو الاستنزاف المزمن.

ليس من باب المبالغة القول إن استحضار مشهد بيروت التي عرفتها يومًا إلى الذاكرة، حينما كانت مدينةً لا يعلو فيها صوتٌ على أصوات المرافئ والمقاهي والمكتبات والمهرجانات، أي عندما كان السلاح، آنذاك، طارئًا على شوارعها، وكانت الخلافات تُدار حول الطاولات، لا خلف المتاريس، يُعتبر "نعمةً" في هذه الأوقات العصيبة من تاريخ لبنان الحديث، فاليوم، يبدو أن البلد يقف مرة جديدة على مفترق طرق حقيقي: إما أن يبقى أسير خطاب القوة الذي روّج له حزب الله ولم يُنتج سوى الانهيار، أو أن يمضي قُدمًا على طريق استعادة منطق الدولة… بكل ما يتطلّبه ذلك من كلفة وشجاعة.

قبل أيام، لم يكن اللقاء اللبناني - الإسرائيلي المباشر في واشنطن مجرّد محطة تفاوضية عابرة، بل شكّل لحظة كسرٍ لواحد من أكثر "المحرّمات" رسوخًا في الحياة السياسية اللبنانية: التواصل المباشر مع إسرائيل.

غير أن ما جرى لم يكن انقلابًا على "الثوابت الوطنية" كما يحلو للبعض تصويره، بل إعادة تعريف لهذه الثوابت نفسها، فالدولة التي تفاوض لا تخون، بل تمارس حقها الطبيعي في إدارة مصالحها، خصوصًا حين تكون البدائل هي الحرب المفتوحة أو الاستنزاف المزمن.

القوانين عندما تتحوّل إلى أدوات ضبط سياسي

من الناحية الشكلية، يقوم الحظر اللبناني على شبكة من القوانين، أبرزها قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، إضافة إلى مواد في قانون العقوبات والقضاء العسكري.

لكن الإشكالية لا تكمن في النصوص بحد ذاتها، بل في كيفية استخدامها، ففي الممارسة، تحوّل هذا الإطار القانوني إلى أداة مرنة لتجريم النقاش قبل الفعل، وإلى وسيلة لضبط المجال العام ومنع أي مقاربة مختلفة لمسألة الحرب والسلام.

وهنا تحديدًا تكمن المفارقة: بدل أن تحمي هذه القوانين السيادة، أصبحت في كثير من الأحيان وسيلة للالتفاف عليها، عبر تكريس واقع تُمنع فيه الدولة من التفكير بخياراتها بحرّية.

واشنطن لا تضغط بل تكشف الخلل

في هذا السياق، لا يمكن فصل الحراك الأميركي الأخير عن هذه الإشكالية البنيوية، فعندما يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن أن "الولايات المتحدة ستعمل مع لبنان لمساعدته على حماية نفسه من حزب الله"، فإن المقصود لا يقتصر على البعد العسكري، بل يتعدّاه إلى القدرة على اتخاذ القرار السيادي.

والمسألة، من هذا المنظور، ليست فرض تطبيع أو جدول زمني للتسويات، بل طرح سؤال أكثر جوهرية: هل تمتلك الدولة اللبنانية حرية إدارة سياستها الخارجية، أم أن هذه الحرية ما زالت مقيّدة باعتبارات تتجاوز مؤسساتها؟

بين الدستور والواقع: معركة الصلاحيات

هذا السؤال يقود مباشرة إلى جوهر النقاش الداخلي، فما طرحه رئيس الجمهورية جوزيف عون حول ضرورة التفاوض، لم يكن اجتهادًا سياسيًا خارج السياق، بل استنادًا واضحًا إلى صلاحيات دستورية تمنح السلطة التنفيذية حق إدارة العلاقات الخارجية.

لكن الاعتراضات التي برزت لاحقًا، كشفت أن الأزمة في لبنان ليست فقط أزمة خيارات، بل أزمة تعريف لمن يملك حق اتخاذ القرار. وهنا، يتجاوز النقاش حدود السياسة اليومية، ليصل إلى صلب فكرة الدولة نفسها: هل القرار السيادي يُصاغ داخل المؤسسات، أم خارجها؟

حزب الله من المقاومة إلى الفيتو

في قلب هذه المعادلة، يقف حزب الله بوصفه العامل الأكثر تأثيرًا، فالحزب لا يكتفي بامتلاكه سابقًا قوة عسكرية موازية للدولة، بل إنه لا يزال يملك أيضًا القدرة على تعريف "الموقف الوطني"، وعلى تحويل أي نقاش مخالف إلى موضع شبهة أو تخوين، بموجب القوانين اللبنانية الآنفة الذكر.

وهكذا، يصبح القانون أداة، والخطاب أداة، وحتى "المحرّمات" تتحوّل إلى آليات ضبط سياسي تُبقي القرار خارج المؤسسات ولكن المفارقة التي بدأت تتبلور مؤخرًا، هي أن هذا النموذج نفسه بات موضع تحدٍّ داخلي وخارجي في آنٍ واحد.

من الذاكرة إلى الاحتمال

لقد عاش اللبنانيون عقودًا طويلة في ظل وصايات متعدّدة: فلسطينية، سورية، ثم إيرانية عبر سلاح حزب الله وفي كل تلك المراحل، تراجعت الدولة لحساب قوى الأمر الواقع.

لكن اللحظة الراهنة تبدو مختلفة، منذ انتخاب جوزيف عون رئيسًا للجمهورية، وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام، حيث بدأت ملامح مسار جديد تتشكّل، مسار يقوم على إعادة الاعتبار للمؤسسات، لا استبدالها.

السلام كخيار سيادي لا كإملاء

هنا، لا بد من التوقف عند فكرة أساسية، مؤداها أن النقاش حول التواصل أو التفاوض مع إسرائيل لا ينبغي أن يُختزل في ثنائية "تطبيع أو مقاومة"، بل يجب أن يُعاد طرحه بوصفه خيارًا سياديًا بحتًا، فالسلام، كما الحرب، ليسا شعارات، بل أدوات سياسية تُستخدم لحماية المصالح الوطنية.

ومن هذا المنطلق، فإن تحرير النقاش الداخلي قانونيًا وسياسيًا يشكّل شرطًا أساسيًا لأي مسار جدي نحو الاستقرار، فالتاريخ، مهما طال عناده، لا يرحم من يرفض أن يتعلّم والجغرافيا، مهما ضاقت، تتّسع لمن يريد أن يعيش بسلام.

والعودة إلى "المستقبل" ليست حلمًا رومانسيًا، بل خيارًا واقعيًا يحتاج إلى شجاعة: شجاعة الاعتراف بأن لبنان ليس ساحة صراع للآخرين، وشجاعة الإيمان بأن الدولة لا السلاح، هي وحدها القادرة على حماية أبنائها.

وخلاصة القول هنا تتمثل في أن ما يجري اليوم ليس مجرد سجال سياسي حول قانون أو تفاوض، بل هو اختبار حقيقي لهوية لبنان السياسية: إما دولة تمتلك قرارها، أو ساحة تُدار من خارج مؤسساتها.

وبين هذين الخيارين، يقف اللبنانيون أمام فرصة قد لا تتكرر. فرصة للانتقال من منطق "الفيتو المسلّح" إلى منطق الدولة التي تستعيد صوتها.