آلان لايتمان يفكك الزمن في 'أحلام آينشتاين'
ثمة كتب لا تقدَّم لك كحكايات مكتملة، وإنما كفرضيات تُختبر أثناء القراءة، فتجد نفسك تتنقل بينها لا لتفهمها فحسب، ولكن لتقيس بها حدود فهمك. هكذا تبدو رواية "أحلام آينشتاين" للكاتب آلان لايتمان: ليست حكاية عن الزمن، وإنما تجربة وجودية تلقي بالقارئ داخل السؤال نفسه، حيث لا يعود الزمن موضوعا للتأمل، وإنما يصبح أفقا يبتلع كل محاولة للفهم.
منذ الوهلة الأولى، لا ينجذب القارئ إلى الرواية بسبب بنيتها أو أسلوبها، وإنما بسبب ثقل الاسم الذي تحمله -اسم آلبرت آينشتاين- وكأن النص يستعير سلطة العلم ليُغرينا بالدخول، لكن يتخلى عن كل يقين علمي في منتصف الطريق، تاركا إيانا في متاهة من الاحتمالات. هنا يبرز التوتر الأساسي في العمل: هل نحن أمام تأمل علمي متخيل، أم أمام أدب يتخفى في هيئة الفيزياء؟ أم أن النص، في جوهره، ينسف هذا الفصل المصطنع بين العلم والخيال؟ ويمكن هنا استحضار ما تفعله أفلام مثل: بين النجوم (Interstellar) للمخرج كريستوفر نولان، حيث يتحول الزمن إلى عامل نسبي تتغير سرعته تبعا للجاذبية، فيتقاطع العلمي مع الإنساني على نحو يجعل فقدان الزمن المشترك تجربة عاطفية عميقة، لا مجرد معطى فيزيائي.
أسلوب السرد، الذي يبدو في البداية غريبا ومفككا، ليس مجرد خيار جمالي، وإنما استراتيجية معرفية. فالرواية لا تقدم سردا خطيا، وإنما تقطع الزمن نفسه إلى شظايا، كل شظية تمثل عالما قائما بذاته، محكوما بقانون زمني مختلف. قد تحدث هذه التقنية نفورا أوليا -خصوصا في الترجمة- لكنها تكشف لاحقا عن قصد عميق: إننا لا نقرأ عن الزمن، وإنما نجبر على اختباره في تعدديته. يذكرنا هذا التفكيك ببعض التصورات التي يقدمها فيلم الوافد (Arrival) المأخوذ عن قصة تيد تشاينغ، حيث لا يفهم الزمن كخط متسلسل، وإنما كبنية كلية تدرك دفعة واحدة، ما يضع وعينا في مواجهة مباشرة مع حدود إدراكه التقليدي. وربما هنا يكمن أحد مواطن الإشكال النقدي: هل الترجمة قادرة على نقل هذا التوتر بين البساطة اللغوية والعمق المفاهيمي؟ أم أن شيئا من "الدهشة الأصلية" يتبدد في العبور بين اللغات؟
ليست الرواية، في بنيتها، سوى سلسلة من "التجارب الفكرية" التي تستعيد روح الفيزياء النظرية، لكنها تعيد توجيهها نحو الإنسان لا نحو المعادلة. فحين يطرح تصور لزمن دائري، لا يعود السؤال فيزيائيا بحتا، وإنما أخلاقيا: ماذا يعني أن تتكرر حياتك إلى الأبد؟ هل يصبح الخطأ قدرا أزليا؟ وهل تفقد الحرية معناها إذا كانت كل اختياراتك قد حدثت مسبقا؟ وحين يُتخيل زمن بلا ماض أو بلا مستقبل، يتزعزع أحد أعمدة الهوية الإنسانية: الذاكرة والتوقع. من نحن إن كنا لا نتذكر؟ ومن نكون إن كنا لا ننتظر؟ وهذه الإشكالات نجد صداها بشكل مختلف في الأدب عند مارسيل بروست، حيث يصبح الزمن داخليا يُستعاد عبر الذاكرة، لا خارجيا يقاس بالساعات، فيتحول الماضي إلى حضور حي لا ينفصل عن الوعي.
ما يلفت النظر أن الرواية لا تسعى إلى تقديم إجابات، وإنما إلى زعزعة الأسئلة نفسها. إنها لا تقول: "هكذا يكون الزمن"، وإنما تهمس: "ماذا لو لم يكن الزمن كما تظن أصلا؟". وهنا تتحول القراءة إلى نوع من القلق الفلسفي، حيث يجد القارئ نفسه لا يفكر في الزمن كظاهرة كونية، وإنما في علاقته الشخصية به: كيف يعيش، كيف ينتظر، كيف يندم، وكيف يعلق آماله على مستقبل لم يأت بعد. ويمكن أن نلمح نوعا من الاضطراب الزمني أيضا في عوالم فرانز كافكا، حيث لا يعود الزمن إطارا محايدا، وإنما قوة ضاغطة تنتج شعورا دائما بالاغتراب وعدم الاستقرار داخل العالم.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال جانب نقدي مهم: هذا التعدد في التصورات الزمنية، على الرغم من غناه، قد يفضي إلى نوع من التشتيت المعرفي. فالرواية، بدل أن تبني أطروحة متماسكة، تتنقل بين فرضيات دون أن تمنح القارئ أدوات كافية لربطها ضمن إطار فلسفي واحد. هل هذا القصور متعمد؟ أم أنه انعكاس لطبيعة الزمن نفسه كظاهرة عصية على التوحيد؟ ربما يكون هذا "الافتقار إلى النسق" هو النسق ذاته، أي أن العمل، في شكله، يحاكي موضوعه.
في العمق، تكشف الرواية عن مفارقة جوهرية: كلما حاول الإنسان الإمساك بالزمن، ازداد انفلاته. إننا نعيش الزمن يوميا، ومع ذلك نظل غرباء عنه. نعدّه، نقيسه، نراقبه، لكننا لا نفهمه. وربما لهذا السبب يبدو "الزمن" في هذه الرواية ليس مجرد بطل، وإنما كيانا غامضا، أقرب إلى قوة ميتافيزيقية تتجاوز الإدراك.
وأخيرا، ليست أحلام أينشتاين رواية تقرأ من أجل المتعة السردية التقليدية، وإنما نص يُقترح كتمرين ذهني، وربما كاختبار لمدى استعدادنا لمواجهة الأسئلة التي نتجنبها. إنها دعوة إلى أن نعيد النظر في أكثر ما نظنه بداهة: الزمن نفسه. فهل الزمن ما نعيشه، أم ما نتخيله؟ وهل يمكن أن يكون كل ما نعتبره "حقيقة" مجرد احتمال من بين احتمالات لا نهائية؟
ربما السؤال الأعمق الذي تتركنا معه الرواية ليس عن الزمن، وإنما عن وعينا به:
هل نحن من يمر عبر الزمن، أم أن الزمن هو الذي يمر عبرنا؟