'أدبيات الاختلاف السياسي' مأسسة الاعتدال لتعميم ثقافة الاختلاف المرن في سوريا

لا يمكن تصور مستقبل لسوريا دون مأسسة الاعتدال كقيمة عليا تحكم الحراك السياسي والاجتماعي.

إن جوهر الممارسة السياسية الحديثة ومناعة الدول المستقرة، يكمن في فهم عميق وتطبيق واعٍ لما يمكن تسميته بـ"أدبيات الاختلاف السياسي"، وهي منظومة القيم والقواعد التي تحكم تباين وجهات النظر داخل الإطار الوطني الواحد، إذ يجب أن تتجاوز هذه الأدبيات المفهوم الذي يرى في الاختلاف السياسي مجرد خروج عن النص الوطني أو انشقاق عن الإجماع، وهو تصور غالباً ما ينبع من ذهنية الدولة التي تفتقر إلى المرونة اللازمة لاستيعاب تعقيدات المجتمعات المعاصرة؛ هذه الرؤية الضيقة تعكس مرحلة ماضية من بناء الدولة حيث كان التمايز يُنظر إليه كتهديد وجودي، بينما في الواقع، هو وقود للتطور ومؤشر على الحيوية.

الوطنية الحقة في جوهرها، ليست حالة تماهٍ مطلق مع رؤية أحادية، بل هي عقد اجتماعي وسياسي متجدد ومستمر، يتسع بطبيعته لتعددية الرؤى حول سبل تحقيق المصلحة العليا للأمة، وبالتوازي فإن هذا العقد لا يفرض التوحيد القسري، بل يحتفي بالتنوع ضمن إطار وطني جامع، ويرى في تباين الأفكار مصدراً للثراء لا للضعف، وحين يُمارس الاختلاف السياسي بمنهجية معتدلة، مستنداً إلى خطاب إيجابي وبناء، فإنه يتحول إلى رأس مال وطني لا يقدر بثمن. هذا الرأس المال يُزود صانع القرار بخيارات بديلة، ويقدم له زوايا رؤية أوسع وأكثر شمولية للتحديات المطروحة، مما يعمق فهمه للمشكلة ويُغني الحلول الممكنة، بدلاً من الانغلاق في مسار واحد قد لا يكون الأمثل.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه النسيج الوطني ليس في وجود الاختلاف بحد ذاته، وإنما في الاستلاب والخروج عن أدبيات الحوار الوطني عموماً، وأدبيات الاختلاف السياسي بشكل خاص، فالاستلاب هنا يعني الانجراف نحو المواقف الإقصائية، أو التخوين، أو تهميش الآخر، أو الانسياق وراء مصالح فئوية ضيقة تتجاوز المصلحة الوطنية الجامعة، أما الخروج عن أدبيات الحوار فيعني التخلي عن أسس الاحترام المتبادل، والمنطق والأدلة، واستبدالها بالصراخ والتشنج والعدائية، مما يُفسد أي فرصة للحوار البناء ويحول الاختلاف من قوة دافعة إلى عامل هدم وتفكك.

في سياق الوضع السوري الراهن، الذي اتسم لسنوات طويلة بالتصدع والنزيف، يصبح تعزيز أدبيات الاختلاف السياسي ضرورة وطنية قصوى؛ بهذا المعنى فإن الفهم الخاطئ أو المتعمد لمفهوم الاختلاف كخيانة، ساهم بشكل كبير في إذكاء نيران الصراع وتعميق الانقسامات، وفي مرحلة إعادة البناء والتعافي، أو حتى في سياق السعي نحو حل سياسي مستدام، لا يمكن تصور مستقبل لسوريا دون مأسسة الاعتدال كقيمة عليا تحكم الحراك السياسي والاجتماعي، وهنا تعني مأسسة الاعتدال إرساء آليات وهياكل تضمن أن تبقى المساحة العامة مفتوحة للنقاش الهادف، وأن تُحترم جميع الآراء التي تلتزم بالضوابط الوطنية، وأن يتم التعامل مع التنوع كقوة دافعة للوحدة لا كعامل للتفرقة.

ولتحقيق ذلك، لا بد من الآليات العملية لتعميم ثقافة الاختلاف المرن في المجتمع السوري، وهذا يتطلب جهوداً متعددة الأوجه، حيث يجب غرس قيم الحوار والتسامح وقبول الآخر، وتشكيل الرأي العام الوطني وتوجيهه نحو تبني خطاب معتدل ومسؤول، يبرز القواسم المشتركة ويحتفي بالتنوع ضمن الوحدة، بالإضافة إلى ذلك، يجب دعم وتطوير مؤسسات المجتمع المدني التي يمكن أن تكون منصات للحوار الجاد والمسؤول، وأن تعمل على بناء الثقة بين المكونات المختلفة للمجتمع.

ختاماً يتعين على النخب السياسية والمثقفين السوريين تحمل مسؤولية تاريخية في قيادة هذا التحول، عبر طرح رؤى سياسية تستوعب التنوع، وعبر ممارسة الحوار البناء كنموذج يحتذى به، فمأسسة الاختلاف المعتدل لا تعني التنازل عن الثوابت الوطنية، بل تعني القدرة على التفاوض والتوافق حول كيفية حماية هذه الثوابت وتحقيقها في واقع معقد ومتغير، وهي دعوة للانتقال من منطق الغالب والمغلوب إلى منطق الشراكة الوطنية والتكامل الوطني، حيث يجد الجميع بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم، مساحة للتعبير والمساهمة في بناء سوريا المستقبل، دولة قوية ومرنة، تستمد قوتها من تعددية أبنائها وقدرتهم على الاختلاف بوطنية واعتدال.

هذا هو المسار الحقيقي لتعزيز الحالة الوطنية في سوريا، ولتجاوز محنة الدولة التي تفتقر إلى المرونة، إلى أفق الدولة الحاضنة التي تحتضن جميع أبناءها وترعى مصالحهم في إطار من الحرية والمسؤولية الوطنية الحقّة.