إشكالية العدمية السياسية ومعضلة الولادة الوطنية الثانية في سوريا
لا يُمكن النظر إلى اللحظة السورية الراهنة على أنها مجرد انكسار في جدار الاستبداد أو تحولاً في موازين القوى الميدانية، بل هي في جوهرها مواجهة عميقة مع عدمية سياسية تراكمت عبر خمسة عقود من التدمير الممنهج للحياة السياسية، ولا تزال حتى اليوم، وما يعيشه السوريون اليوم هو مخاض عسير لما يمكن تسميته بـالولادة الثانية للسياسة في منطقة حُولت قسراً إلى بيئة يسودها الصمت المطلق والولاء الإجباري، وذلك نتيجة سياسات عملت على نقل الدولة من فضاء العقد الاجتماعي إلى فضاء الامتلاك الأمني، حيث تم إقصاء الفعل السياسي واستُبدل الحوار الوطني بالهتاف الجمعي، مما أدى إلى غياب النخب وتآكل الوعي المؤسساتي.
بهذا المعنى فإنه لا يمكن قراءة المشهد السوري الراهن بمعزل عن حالة التصحر السياسي التي فرضها نظام الأسد طوال نصف قرن، فالواقع السوري بعناوينه الحالية يواجه استعصاءً سياسياً ناتجاً عن عقود من التجريف الممنهج للمجال السياسي العام، وربطاً بذلك فقد استيقظت سورية بعد سقوط نظام الأسد على ذاكرة سياسية مترهلة. سورية التي امتلكت تاريخياً حراكاً سياسياً وتعددياً لافتاً قبل حقبة آل الأسد، تجد نفسها اليوم أمام مهمة اجتراح المعجزة، أي إعادة بناء المجال السياسي العام الذي تم تجريفه وتصويره لعقود كطيف واحد، تحت حكم الحزب القائد والزعيم الأوحد.
إن المعضلة الكبرى في سوريا تكمن في أن نظام البعث ومن خلفه هيكلية حكم آل الأسد، لم يكتفِ بإلغاء الأحزاب، بل عمد إلى تأميم المواطن السوري سياسياً، حيث تم تحويل المجتمع السوري إلى كتلة صماء تُختزل فيها تطلعات الملايين في إرادة القائد الرمز، مما أدى إلى حالة من الضمور السياسي؛ هذا التصحّر الممنهج خلق فجوة زمنية ومعرفية هائلة، وربطاً بحالة الفوضى السياسية وعدم وضوح المسارات الوطنية فإن السوريين مطالبون ببناء نظام ديمقراطي على أنقاض بنية لم تترك وراءها سوى أطلال مؤسساتية خاوية من أي مضمون قانوني أو سياسي حقيقي، وهو ما يتطلب عملية إعادة بناء الواقع السياسي في بيئة افتقرت لشرط الحوار الحر لخمسة عقود.
واتساقاً مع ما سلف فإن التيارات السياسية والعسكرية التي ولدت بعد عام 2011 تعاني من عوز بنيوي، فهي لم تنشأ نتيجة تطور طبيعي في بيئة ديمقراطية، بل كانت كيانات طارئة فرضتها ضرورة الصراع وشروط الممولين وضغوط الميدان، كما أن هذه الكيانات رغم صدق توجهات بعضها، تظل ردات فعلها تفتقر إلى الجذور الشعبية العميقة والبرامج السياسية العابرة للمناطق والطوائف، مما جعل خطابها محكوماً بالشرعية الثورية أو الواقعية العسكرية، وليس بالشرعية الدستورية التي تتطلب عقداً اجتماعياً لم ينضج بعد. هذا الخلل يجعل هذه التيارات غير قادرة حتى الآن على موازاة ثقل الميراث الإقصائي، وهو ما يضع القوى المدنية والسياسية أمام اختبار تاريخي لانتزاع المبادرة وترميم الواقع السياسي في سوريا وفق أسس سليمة.
إن أخطر ما يفرزه هذا العقم السياسي الحالي في سوريا هو التباعد الدراماتيكي بين طموح الشارع وواقع الإرادات المتحكمة في دمشق اليوم، فبينما ينشد السوريون دولة المواطنة التي تعيد لهم كرامتهم السياسية، برزت قوى تسعى لملء الفراغ بمنطق الغلبة العسكرية والثورية، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج الاستبداد في حلة جديدة، وبهذا فإن الطريق الوعرة التي يسلكها السوريون الآن ليست نتاج نقص في الكفاءات، بل نتاج غياب البيئة الحاضنة للعمل السياسي الوطني، خاصةً أن القوى التي تمسك بمقاليد الأمور اليوم قد تنجح "إلى حد ما" في إدارة الأمن الميداني، لكنها تقف عاجزة أمام تحدي الأمن السياسي، بمعنى القدرة على استيعاب التنوع السوري وتطوير حياة سياسية حقيقية لا يكون فيها "منطق القوة" هو المسيطر على المسارات السياسية.
بناءً على ما سبق، فإن سوريا لا تحتاج إلى تعديلات دستورية فحسب، بل تحتاج إلى إعادة هندسة اجتماعية وسياسية شاملة، كما أن الانتقال من الطيف الواحد إلى التعددية الحقيقية تحكمه تحديات تكمن في كيفية الانتقال إلى الفعل السياسي الوطني، وكيفية إقناع من اعتاد حكم البيان رقم واحد بأن السياسة هي فن التفاوض والتنازل، وليست فن الإقصاء، وبهذا فإن المسار نحو سوريا الجديدة سيظل محفوفاً بالمخاطر طالما أن الإرادات المتحكمة لم تنتقل بعد من عقلية إدارة المعركة إلى عقلية بناء الأمة، وهو انتقال يتطلب شجاعة سياسية تفوق شجاعة الميدان، لضمان ألا تذهب تضحيات السوريين في مهب صراع جديد على السلطة.
تأسيساً على ما تقدم، تظهر المعضلة السورية اليوم كأكبر اختبار للفعل السياسي في العصر الحديث؛ وهي ليست مجرد محاولة لاستبدال نخب بأخرى، بل هي معركة وجودية لانتشال مفهوم السياسة نفسه من حالة العدمية التي كرسها نظام الأسد طوال عقود؛ نتيجة لذلك فإن الولادة الثانية للسياسة في سوريا لا يمكن أن تتم عبر استنساخ أدوات الماضي بوجوه جديدة، بل تتطلب قطيعة مع نهج تأميم الفرد وإلغاء المجتمع، فسوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى سياسيين لتوصيف المرحلة، بل تحتاج إلى رجال دولة يملكون شجاعة التنازل للوطن، والقدرة على لجم نزعة الإقصاء والتحييد، لضمان أن تكون هذه الولادة الثانية ولادة لدولة المواطنة، لا ولادة جديدة لدورات العنف تحت مسميات أخرى.