أسرار حربية أميركية على طاولة مقهى في جلسة غزل!

رئيس فرع السلامة النووية والكيميائية في الجيش الأميركي يكشف لصحفية متخفية تفاصيل دقيقة لأنظمة الرادار ومستشعرات تتبع الصواريخ، معترفا بامتلاك واشنطن غاز 'سارين' القاتل ومسؤوليتها عن قتل اطفال مدرسة ميناب في ايران.

واشنطن – أثارت قضية المسؤول الكبير في الجيش الأميركي أندرو هوغ، جدلا واسعا في الأوساط الإعلامية والسياسية الأميركية، إثر تداول مقطع مصور يظهره وهو يدلي بتصريحات حساسة ومعلومات سرية خلال لقاء مع امرأة تبين لاحقاً أنها صحفية متخفية. وأعادت هذه الحادثة إلى الواجهة تساؤلات ملحة حول معايير الأمن والانضباط داخل المؤسسات المرتبطة بالبرامج النووية.

وتشير معطيات أوردتها مجموعة أوميف للإعلام إلى أن الفيديو جرى تسجيله ضمن عملية صحفية سرية نفذتها صحفية متخفية، قبل أن يتم نشره يوم الثلاثاء الماضي. وأكدت المجموعة أن الهدف من هذه العملية كان توثيق ما وصفته بـ "طبيعة التعامل مع معلومات حساسة داخل محيط غير رسمي".

وتعود تفاصيل القضية إلى التسجيل الذي نشرته المنظمة الإعلامية التي يقودها الناشط المحافظ جيمس أوكيف عبر منصة مجموعة أوميف للإعلام؛ حيث ظهر هوغ وهو يتحدث في أجواء غير رسمية خلال لقاء شخصي مع فتاة جميلة يبدو انه كان يحاول اثارة اعجابها، دون علمه بأنه يخضع للتصوير.

وقد اعتمدت المنظمة أسلوب "الكمين الصحفي" عبر الكاميرا الخفية، وهو نهج أثار سابقا نقاشات حادة بشأن أخلاقيات الممارسة الإعلامية، حيث يرى منتقدو نهج O'Keefe Media Group أنه يقوم على استدراج الشخصيات إلى مواقف محرجة عبر تصوير انتقائي، بينما يعتبره مؤيدوه أداة فعالة لكشف ما يدور خلف الكواليس.

وتشير تقارير إلى أن المنظمة سبق أن واجهت انتقادات تتعلق باقتطاع مقاطع من سياقها، ما يطرح تساؤلات حول مدى تمثيل التسجيل المتداول للصورة الكاملة.

وبحسب ما أوردته منصات إعلامية أميركية وموقع "سنوبس" للتحقق، فإن هوغ، الذي يشغل منصب رئيس فرع السلامة النووية والكيميائية في الجيش الأميركي، وُضع في إجازة إدارية بانتظار نتائج تحقيق داخلي فتحته السلطات العسكرية.

ويهدف التحقيق لتحديد مدى خطورة المعلومات التي كشف عنها، وما إذا كانت تشكل خرقاً فعلياً لقواعد السرية.

وصرحت المتحدثة باسم الجيش الأميركي، سينثيا سميث: "لقد وضعنا السيد هوغ في إجازة إدارية بينما نجري تحقيقاً شاملاً في هذا الأمر".

وفي تطور إضافي، نقلت تقارير صحفية أن هوغ جرى اقتياده إلى خارج مبنى البنتاغون فور انتشار الفيديو، وهو ادعاء لم تؤكده أو تنفه الجهات الرسمية بشكل مستقل حتى الآن.

كما لوحظ أن حسابه المهني على منصة لينكد إن قد حُذف بهدوء عقب تفجر القضية، دون توضيح رسمي حول ما إذا كان ذلك ناتجا عن إجراءات انضباطية أو قرار شخصي. وتشير خلفياته المهنية – غير المؤكدة بشكل مستقل – إلى ارتباطه سابقاً بالعمل داخل مختبر أوك ريدج الوطني، وهو أحد المراكز البحثية الأكثر حساسية في الولايات المتحدة، مما يزيد المشهد تعقيداً حول طبيعة خبرته ومساره المهني.

محتوى التسجيلات: من الرادارات إلى "السارين"

تضمنت تفاصيل التسجيل الموسعة حديثاً لـ هوغ عن جوهر مهامه، حيث قال إنه مسؤول عن ضمان "موثوقية الأفراد" الذين يصلون إلى الأنظمة الحساسة، مضيفاً: "أنا أتأكد من أن الناس موثوقون. لا يوجد أشخاص مضطربون نفسياً يعملون على الأسلحة؛ فأنت لا تريد شخصاً مضطرباً يملك صلاحية الوصول إلى تلك الأشياء".

وفي مقاطع أخرى، وصف أنظمة الإنذار المبكر من الاسلحة النووية قائلاً: "لدينا كل هذه المستشعرات في الفضاء.. لدينا رادارات.. ستشاهد الشيء وهو يطير بالفعل، وستعرف حجمه وسرعته.. يمكنك معرفة كل هذه التفاصيل".

كما تطرق المسؤول الأميركي إلى قدرات الردع وأنظمة المراقبة، وتقييمات لملفات دولية حساسة، من بينها إيران.

وتداخل حديثه بين الثرثرة والرغبة في إثارة إعجاب الصحفية السرية، فذهب إلى حد القول إن الولايات المتحدة قد تُقدم على اغتيال مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد، إذا لم يغيّر سلوكه.

ولم يتوقف الأمر عند الجانب النووي، بل شمل إشارات لمواد كيميائية خطيرة، حيث تحدث عن غاز الأعصاب "سارين" قائلاً: "بخصوص هذه المادة الكيميائية [سارين].. رئتاك لن تعملا.. لكننا نملكها هنا في ميريلاند". كما روى حادثة مزعومة في مختبر كيميائي تتعلق بتعرض إحدى العاملات لمادة سامة نتيجة إهمال ارتداء معدات الوقاية.

وتتعارض هذه التصريحات مع الرواية الرسمية المعلنة، إذ تؤكد الولايات المتحدة أنها أنهت تدمير جميع مخزوناتها المعلنة من الأسلحة الكيميائية، بما فيها غاز السارين، بحلول عام 2023.

يتضمن التسجيل أيضاً إشارات سياسية لافتة، منها حديثه عن احتمالات استهداف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب للقيادة الإيرانية الجديدة، وتعليقات حول ضربات أميركية مزعومة في إيران، وصولاً إلى ادعاءات بوجود فساد في ملف المساعدات الموجهة إلى أوكرانيا؛ وهي ادعاءات تفتقر حتى الآن إلى تأكيد مستقل.

وفي لحظة تعكس سياق الاستدراج، ظهر هوغ في أحد المقاطع وهو يشكك في هوية محاورته متسائلاً: "أنتِ لستِ جاسوسة، أليس كذلك؟"، قبل أن يسهب في عبارات اعتُبرت دليلاً على تأثره بأسلوب الإقناع الشخصي، "لقد سحرتني عيناكِ كثيراً... أسهل طريقة للحصول على المعلومات الاستخباراتية هي إرسال فتاة جميلة... عليّ أن أقاوم عينيكِ".

أنتِ لستِ جاسوسة، أليس كذلك؟

كما تضمن التسجيل اعترافا ضمنيا بأن مقتل الأطفال في مدرسة ميناب خلال الأيام الأولى من الهجوم الأميركي الإسرائيلي يُعد أمرا عاديا، واعتبره من "الخسائر الجانبية غير المقصودة" التي ترافق الحروب عادة. وأكد أن مثل هذه الحوادث طبيعية في سياق الحروب.

يرى خبراء في الأمن القومي أن جوهر الإشكال يتجاوز مضمون التصريحات ليصل إلى سلوك المسؤول نفسه؛ فمجرد مناقشة قضايا حساسة مع طرف مجهول في سياق غير رسمي يمثل خرقا صارخا لمعايير الانضباط.

وتجسد هذه الحادثة صداما بين البنية الصارمة للمؤسسات العسكرية وأساليب "الهندسة الاجتماعية" الحديثة، حيث يُستدرج المسؤولون لمواقف غير محمية عبر تفاعلات تبدو عفوية لكنها مُصممة مسبقا.

وعلى الرغم من خطورة المشهد، شددت تقارير التحقق على أن وصف الحادثة كـ "تسريب لأسرار نووية كبرى" قد ينطوي على مبالغة، لغياب الأدلة على أن المعلومات المذكورة تندرج ضمن أعلى درجات السرية.

ويقدم هذا الملف نموذجا لـ "المنزلقات الرقمية"، حيث تتحول محادثة عابرة إلى أزمة أمنية معقدة عند تقاطعها مع أدوات التصوير الخفي ومنصات النشر السريع.

وتقدم القضية مثل، حيث يجد المسؤول نفسه تحت طائلة النظام الذي صُمم لمراقبته. وبينما لا تزال نتائج التحقيق مرتقبة، تظل الواقعة في إطار "حادثة قيد التدقيق" أكثر منها فضيحة تسريب مؤكدة، في انتظار أي تعليق تفصيلي إضافي من الجيش الأميركي بخلاف بيانه الأولي.