الأنطولوجيا الحدّية في سرد عبدالقادر شرابة: دراسة في تمثلات الوجود المعلّق
ليست الكتابة عند الأستاذ عبد القادر شرابة انخراطا في تمثيل العالم بقدر ما هي مساءلة لشروط إمكان تمثيله أصلا؛ إذ لا تبنى نصوصه على فرضية أن الواقع قابل للاستعادة أو أن الذات قابلة للاكتمال، وإنما تنطلق من شق أولي في التجربة، ذلك التصدع الذي يجعل الإنسان معلقا بين ما كانه وما يعجز عن أن يصيره. في كل من "نصف وجهي المحروق" و"نساء على الشاطئ"، لا نجد ذواتا تتحرك داخل العالم وفق منطق الاستقرار أو التطور، وإنما كائنات تقيم في منطقة حدية، في "بين-بين" لا يُحسم، حيث يتحول الوجود ذاته إلى حالة عبور مؤجل لا يفضي إلى وصول. لا تبدو هذه الحافة مجرد استعارة جمالية؛ إنها بنية أنطولوجية تحكم تصور النص للإنسان: أن يكون، في هذا الأفق، يعني ألا يكون مكتملا أبدا.
يبلغ هذا التعليق الوجودي ذروته في صورة الاحتراق في الرواية، حيث لا يعمل بوصفه حدثا سرديا يمكن تأطيره ضمن منطق السبب والنتيجة، وإنما كتجربة تحوّل لا تستقر في نتيجة نهائية. إن "نصف الوجه المحروق" لا يحيل إلى نقص يمكن تعويضه، وإنما إلى انقسام لا يُردم، إلى كينونة لم تعد قادرة على التماهي مع ذاتها. هنا يمكن استدعاء ما يسميه فرانسوا لارويل ب"الإنسان-الأخير"، ذلك الذي لا يُفهم عبر تمثيلاته، وإنما عبر انكسار هذه التمثيلات ذاتها. فالشخصية عند شرابة لا تمثل جرحا فحسب، وإنما تمثل استحالة تحويل هذا الجرح إلى معنى مكتمل؛ إنها تقيم في أثر الصدمة لا في سردها، في انفتاح الندبة لا في تأويلها.
وإذا كان الاحتراق في الرواية يضع الجسد على حافة التلاشي، فإن الشاطئ في المجموعة القصصية يعيد صياغة هذا الحد في صورة أكثر تجريدا: ليس بوصفه مكانا، وإنما بوصفه شرطا وجوديا. لا يظهر الشاطئ فضاء تروى فيه الحكايات، وإنما خط تماس بين حالتين لا تندمجان. في هذا السياق، يمكن استحضار هانز بلومنبرغ الذي يرى أن الإنسان كائن يعيش عبر "استعارات مطلقة" لا يمكن ردها إلى مفاهيم نهائية؛ ويبدو الشاطئ عند شرابة واحدة من هذه الاستعارات التي لا تشرح العالم بقدر ما تكشف حدوده. ما الذي يعنيه أن توجد الشخصية هناك، لا في اليابسة ولا في البحر؟ أليس ذلك إعلانا ضمنيا بأن الهوية نفسها ليست سوى موقع مؤقت، وأن كل محاولة للتموضع النهائي لا تعدو أن تكون وهما مريحا؟
بهذا المعنى، لا تكتب نصوص شرابة عن الضياع بوصفه حالة نفسية، وإنما بوصفه بنية أنطولوجية. وهو ما يضعها، دون ادعاء، في تقاطع مع ما يسميه جورجيو أغامبن ب"الكينونة الممكنة"، تلك التي لا تتحقق في فعل مكتمل، وإنما تظل معلقة في إمكانية لا تُنجز. لا تفشل شخصيات شرابة في الوصول بقدر ما تكشف أن الوصول نفسه فكرة مضللة، وأن الإنسان لا يوجد إلا بوصفه إمكانية معلقة. من هنا، لا تعود الأزمة في هذه النصوص أزمة معنى مفقود، وإنما أزمة معنى فائض يستحيل تثبيته.
وعند الانتقال إلى تمثيل المرأة في "نساء على الشاطئ"، لا تظهر بوصفها ذاتا مستقلة يمكن إدراجها في إطار الهوية أو الدور الاجتماعي، وإنما كأثر يعيد تشكيل موقع الذات الأخرى. إنها لا تُعرّف؛ تُحدث. لا تُمتلك؛ تُفلت. وهو ما يجعلها أقرب إلى ما يسميه إيمانويل ليفيناس ب"الآخر الذي لا يُختزل"، ذلك الذي يقاوم كل محاولة للإدراك النهائي. غير أن نصوص شرابة تدفع هذا التصور إلى أفق أبعد، حيث لا تعود المرأة مجرد آخر، وإنما حدا تنكشف عنده هشاشة الكينونة نفسها. فهل يمكن القول إن المرأة هنا ليست موضوعا للحب بقدر ما هي شرط لانكشاف هذه الهشاشة؟ وهل كل اقتراب منها ليس سوى اقتراب من تلك الهوة التي تفصل الإنسان عن ذاته؟
أما اللغة، فلا تعمل وسيطا شفافا ينقل التجربة، وإنما مساحة يتجلى فيها هذا التعليق الوجودي ذاته. لا تتقدم الجملة بثقة؛ تتردد، تتقطع، وتترك فراغات، وكأن النص يُكتب من داخل شك عميق في قدرة اللغة على قول ما يجب قوله. هنا يمكن استدعاء إميل سيوران الذي يرى أن كل تعبير خيانة لما يعاش، وأن الصمت هو الشكل الأكثر صدقا للقول. غير أن شرابة لا يصمت؛ إنه يكتب هذا العجز ذاته، يحوّل اللغة إلى أثر لفشلها، لا إلى أداة لتجاوزه. فهل يمكن النظر إلى هذه الكتابة بوصفها شكلا من أشكال "الصدق السلبي"، حيث لا يقاس النص بما يقوله، وإنما بما يعجز عن قوله؟
وعلى مستوى أعمق، تنخرط هذه النصوص في تقويض فكرة "المركز" بكل تمظهراتها: لا مركز للذات، ولا مركز للحكاية، ولا مركز للمعنى. كل شيء منزاح نحو الأطراف، نحو الهوامش، نحو ما يسميه خوسيه أورتيغا إي غاسيت ب"الظروف"، حيث لا يمكن فصل الإنسان عن سياقاته. غير أن شرابة يعقّد هذا التصور، إذ تبدو الظروف نفسها متصدعة، فيما تتشظى الذات داخلها بدل أن تتكيف معها.
لم يعد السؤال: كيف نعيش داخل العالم؟ وإنما: كيف نعيش داخل عالم لا يستقر بما يكفي ليعاش؟
لهذا، تغدو تجربة القراءة في نصوص عبد القادر شرابة تجربة اهتزاز لا تجربة فهم. لا يخرج القارئ منها بمعنى جاهز، وإنما بموقع وجودي قلق: موقع الكائن الذي يُجبر على مواجهة غياب المعنى بوصفه حقيقة لا يمكن الالتفاف عليها. ويمكن في هذا السياق استحضار توماس برنهارد الذي جعل من الكتابة أداة لتفكيك وهم التماسك، حيث لا تؤدي إلى خلاص، وإنما إلى تعميق الإحساس بالاختناق الوجودي. ومع ذلك، لا تنزلق نصوص شرابة إلى العدمية الصريحة، إذ تبقى في منطقة أكثر دقة: منطقة لا تنكر المعنى، ولا تسمح بتثبيته.
في ضوء ذلك، يمكن النظر إلى مشروع شرابة بوصفه كتابة ضد الإشباع: لا يمنح القارئ اكتمالا، ولا يتيح له استقرارا تأويليا. كل تأويل يظل ناقصا، وكل فهم مؤقتا. وهنا يبرز السؤال: أليس هذا النقص هو ما يمنح هذه الكتابة حيويتها؟ أليس الأدب، في أحد وجوهه الأكثر صدقا، هو ما يعيدنا إلى حالة السؤال بدل أن يحررنا منها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل تكمن القيمة الجمالية لهذه الكتابة في ما تقدمه من معان، أم في قدرتها على إبقاء المعنى مفتوحا، معلقا، قلقا؟
ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحا الذي تطرحه هذه الكتابة هو: ماذا يعني أن نكون بشرا إذا كانت كل محاولاتنا لتعريف أنفسنا محكومة بالفشل؟ هل نحن ما نتذكره، أم ما نعجز عن تذكره؟ ما نعيشه، أم ما يفلت من عيشنا؟ وهل يمكن للأدب أن يكون شيئا آخر غير هذا الفضاء الذي نواجه فيه، دون وساطة، هشاشتنا الأصلية؟
في هذا الأفق، لا تبدو نصوص عبد القادر شرابة محاولة لفهم العالم بقدر ما هي تمرين على الإقامة في لا-فهمه. إنها لا تعلّمنا كيف نصل؛ تعلّمنا كيف نقف. لا تمنحنا امتلاك المعنى؛ تضعنا في موقع احتماله. ولهذا، لا تُقرأ هذه النصوص بوصفها حكايات تُستهلك، وإنما بوصفها تجارب تعاش، تجارب تعيد تشكيل وعينا بأنفسنا، لا عبر ما تقوله، وإنما عبر ما تتركه مفتوحا فينا.