الإمارات تمدد مهمة مسبار الأمل لتعزيز البحث العلمي

التمديد سيتيح للمهمة توفير خبرات تشغيلية وميدانية متقدمة للمشاريع الفضائية المستقبلية في أعماق الفضاء وتوسيع نطاق الدراسات العلمية لتشمل تحليلا أكثر تفصيلا للظواهر المناخية الموسمية على المريخ.

أبوظبي - أعلنت وكالة الإمارات للفضاء تمديد مهمة "مسبار الأمل" لاستكشاف المريخ ثلاث سنوات إضافية حتى عام 2028، في خطوة تعكس ثقة علمية وتشغيلية عالية بأداء المركبة وأنظمتها، وتؤكد في الوقت نفسه انتقال المشروع من مرحلة الإنجاز الرمزي إلى مرحلة الإنتاج المعرفي المستدام.

ويأتي القرار في سياق تصاعد الاهتمام الدولي بعلوم الكواكب والمناخ الفضائي، حيث تزداد أهمية البيانات طويلة الأمد لفهم ديناميكيات الغلاف الجوي للكواكب، ما يجعل استمرار المهمة الإماراتية إضافة نوعية للبحث العلمي العالمي.

ويستند التمديد إلى الأداء الاستثنائي للمسبار منذ دخوله مدار المريخ عام 2021، إذ واصلت أجهزته العلمية العمل بكفاءة عالية، ما أتاح جمع بيانات دقيقة حول الظواهر المناخية والغلاف الجوي للكوكب الأحمر. لا يقتصر هذا النجاح التشغيلي على الجانب التقني، بل يحمل بعدا إستراتيجيا يتمثل في تعزيز موقع الإمارات كشريك موثوق في منظومة البحث العلمي الدولي، خاصة مع التزامها بإتاحة البيانات للباحثين حول العالم، وهو نهج يعكس فلسفة علمية قائمة على الانفتاح المعرفي لا الاحتكار.

وتشير المعطيات إلى أن التمديد سيتيح للمهمة توفير خبرات تشغيلية وميدانية متقدمة للمشاريع الفضائية المستقبلية في أعماق الفضاء، إضافة إلى توسيع نطاق الدراسات العلمية لتشمل تحليلا أكثر تفصيلا للظواهر المناخية الموسمية على المريخ، ومتابعة أبحاث القمر المريخي الأصغر ديموس. وتبرز أهمية هذه الدراسات في كونها تسهم في فهم أسباب فقدان المريخ لغلافه الجوي عبر الزمن، وهي مسألة علمية محورية لفهم قابلية الكواكب للحياة.

ويحمل قرار التمديد كذلك دلالات تنموية داخلية، إذ يعكس توجها إماراتيا واضحا نحو بناء اقتصاد معرفي قائم على العلوم المتقدمة، فقد شهدت الدولة منذ إطلاق المشروع توسعا ملحوظا في منظومة الفضاء الوطنية، حيث تضاعف عدد الجهات العاملة في القطاع بين عامي 2020 و2025، كما ارتفع عدد الجامعات التي تقدم برامج متخصصة في هندسة الطيران والفضاء، ما يشير إلى أن المشروع لم يكن مجرد مهمة علمية، بل منصة لبناء رأس مال بشري متخصص.

وتمثل البيانات المتراكمة التي جمعها المسبار ثروة علمية حقيقية، إذ أتاح أكثر من 10 تيرابايت من المعلومات المفتوحة، ونشر 16 دفعة بيانات عامة خلال خمس سنوات، إضافة إلى أكثر من 35 ورقة علمية محكمة في مجلات دولية، فيما تعكس هذه الأرقام تحولا نوعيا في دور الدولة من مستهلك للمعرفة إلى منتج لها، كما تبرز مساهمة المشروع في تدريب أكثر من 58 طالبا ضمن برامج بحثية جامعية، فضلا عن أكثر من 250 مشاركة علمية في مؤتمرات دولية عرضت أحدث النتائج المتعلقة بالمريخ.

ومن الناحية التقنية، يعمل المسبار عبر حزمة أجهزة متقدمة تشمل الكاميرا الرقمية للاستكشاف والمقاييس الطيفية بالأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية، وهي أدوات قادرة على رصد التغيرات اليومية والموسمية في الغلاف الجوي، وتتبع سلوك العواصف الغبارية، وقياس انبعاثات العناصر الذرية مثل الأكسجين والهيدروجين. هذه القياسات أسهمت في رسم صورة ديناميكية شاملة للغلاف الجوي المريخي، ما يوفر للعلماء فهما أعمق لتفاعلاته مع الرياح الشمسية والحقول المغناطيسية.

اقتصاد معرفي قائم على العلوم المتقدمة
اقتصاد معرفي قائم على العلوم المتقدمة

ومن أبرز إنجازات المهمة توجيه أجهزتها لرصد المذنب البينجمي 3I/ATLAS  خلال مروره قرب المريخ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، حيث التقطت صورا في نطاق الضوء المرئي والأشعة فوق البنفسجية. وتكمن أهمية هذا الرصد في أن الأجرام البينجمية تمثل مواد بدائية من خارج النظام الشمسي، ما يمنح العلماء فرصة نادرة لدراسة تكوين أنظمة نجمية أخرى دون مغادرة محيطنا الكوني.

كما نجح المسبار في الكشف عن نوعين جديدين من الشفق على المريخ، بينها ظاهرة "الشفق المنفصل المتعرج" قرب بركان أوليمبوس مونس، وهو أكبر بركان معروف في المجموعة الشمسية. ويعزز هذا الاكتشاف فهم التفاعلات بين الجسيمات الشمسية والغلاف الجوي للكوكب، وهي عملية أساسية لفهم تاريخ فقدان المياه على المريخ وتحوّله من بيئة رطبة محتملة إلى عالم جاف.

وقال سالم بطي القبيسي المدير العام لوكالة الإمارات للفضاء إن هذه الخطوة تمثل فرصة لتوسيع نطاق البحث العلمي لمسبار الأمل، بما يشمل دراسة الغلاف الجوي للمريخ بتفاصيل أكثر دقة وتحليل الظواهر المناخية الموسمية بشكل شامل، إلى جانب متابعة الأبحاث حول القمر المريخي الأصغر ديموس.

وأوضح أن التمديد يتيح للفريق العلمي الاستمرار في جمع بيانات قيمة، وتوفير قاعدة معرفية متقدمة للطلاب والباحثين، بما يعزز دور دولة الإمارات في تطوير الكفاءات الوطنية وترسيخ مكانتها في التميز بمجال الاستكشاف الفضائي على المستوى الدولي، فضلاً عن رفد المجتمع العلمي العالمي بالمزيد من البيانات الإضافية الضرورية لفهم أسباب هروب الغلاف الجوي للمريخ.

من جهته قال المهندس محسن العوضي مدير إدارة المهمات الفضائية في الوكالة إن المرحلة الجديدة لمهمة "مسبار الأمل" توفر فرصة لتعزيز العمليات العلمية والتشغيلية للمسبار، وتمكين الفريق من متابعة جمع البيانات الدقيقة حول الغلاف الجوي والظواهر المناخية للمريخ بشكل مستمر، بما يدعم الأبحاث العلمية الدولية، مؤكدا أن هذا التمديد يسهم في تطوير الخبرات والكفاءات الوطنية في إدارة وتشغيل المهمات الفضائية على أعلى مستوى من الاحترافية والكفاءة، ويعزز القدرة على المشاركة في مهمات فضائية مستقبلية أكثر تقدماً.

وفي سياق الاعتراف الدولي، أشاد العالم جيم غرين، كبير العلماء السابق في ناسا، بإنجازات المهمة واصفا إياها بأنها من أكثر المهمات تميزا لأنها الأولى التي توفر رؤية شاملة للغلاف الجوي المريخي من مدار واسع. كما حصل فريق المشروع على جائزة الإنجاز الجماعي لعام 2023 من الأكاديمية الدولية للملاحة الفضائية خلال مؤتمرها المنعقد في باكو، تقديرا لإسهاماته في إثراء المعرفة العلمية العالمية.

المستحيل ليس إماراتيا
المستحيل ليس إماراتيا

ويكشف تحليل دلالات التمديد أن الإمارات تتبنى نموذجا استثماريا مختلفا في قطاع الفضاء، يقوم على ربط البحث العلمي بالتنمية الاقتصادية والتعليمية، فبدلا من الاكتفاء بإطلاق مهمة فضائية لتحقيق حضور إعلامي، جرى تصميم المشروع ليكون منصة تعليمية وبحثية طويلة المدى، وهو ما يفسر التركيز على نشر البيانات وتدريب الطلبة وتطوير الكفاءات الوطنية. ويعزز هذا النهج ما يمكن تسميته "الدبلوماسية العلمية"، حيث تصبح المعرفة أداة تعاون دولي وجسرا للشراكات البحثية.

كذلك يسهم استمرار المهمة في تقليل المخاطر المرتبطة بالمشاريع الفضائية المستقبلية، مثل مهمة استكشاف حزام الكويكبات، إذ توفر الخبرات التشغيلية المتراكمة أساسا تقنيا ومعرفيا يسمح بتصميم مهمات أكثر تعقيدا. ومع كل دورة علمية جديدة، يراكم الفريق الوطني خبرة عملية في إدارة المركبات الفضائية وتحليل البيانات، ما يعزز جاهزية الدولة للمشاركة في مشاريع استكشاف عميق مستقبلا.

خلاصة المشهد أن تمديد مهمة "مسبار الأمل" لا يمثل مجرد قرار تقني، بل خطوة استراتيجية ضمن رؤية أوسع تسعى إلى ترسيخ مكانة الإمارات في الاقتصاد المعرفي العالمي، فالمهمة تحولت إلى مختبر فضائي مفتوح يمد المجتمع العلمي الدولي ببيانات فريدة، ويمنح في الوقت نفسه الأجيال الجديدة منصة تعلم وتدريب متقدمة. وبينما يواصل المسبار دورانه حول المريخ، فإنه لا يرصد الكوكب الأحمر فقط، بل يرسم أيضا مسارا متصاعدا لدولة تراهن على العلم بوصفه لغة المستقبل ومحركه.