الضربة الكُبرى لم تبدأ بعد…. فهل إيران جاهزة؟

الحرب الحالية لا تتعلق فقط بتوازنات القوة العسكرية، بل ترتبط أيضاً بمستقبل النظام السياسي في إيران وبشكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط خلال العقود القادمة.

لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد مواجهة عسكرية محدودة أو سلسلة من الضربات الجوية المتبادلة، بل تحولت بسرعة إلى صراع إستراتيجي واسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتمتد تداعياته إلى كامل الإقليم وممرات الطاقة العالمية. إن ما يجري اليوم يشبه إلى حد بعيد لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط، حيث تتلاقى إرادة القوى الكبرى مع تحولات داخلية في إيران نفسها، الأمر الذي يجعل هذه الحرب مختلفة في طبيعتها وأهدافها عن كل المواجهات السابقة.

لقد بدأت العمليات العسكرية بضربات جوية مركزة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف عسكرية وصاروخية داخل إيران، مستهدفة منظومات الدفاع الجوي ومخازن الصواريخ الباليستية ومراكز القيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري. وقد بدت هذه الضربات وكأنها المرحلة الأولى من خطة أوسع تهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وإفقادها القدرة على إدارة حرب طويلة. ومع تصاعد العمليات، توسعت رقعة الاستهداف لتشمل منشآت استراتيجية وبنى تحتية حساسة، في إشارة واضحة إلى أن الهدف لا يقتصر على توجيه رسائل ردع، بل يتعدى ذلك إلى محاولة شل المنظومة العسكرية والاقتصادية التي يعتمد عليها النظام الإيراني في إدارة نفوذه الإقليمي.

في المقابل، لم تقف طهران مكتوفة الأيدي، بل حاولت الرد بوسائل متعددة تجمع بين القوة العسكرية المباشرة والحرب غير المتكافئة. فقد أطلقت صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيّرة باتجاه أهداف مرتبطة بالمصالح الأميركية والإسرائيلية، ولوّحت باستهداف مواقع استراتيجية داخل إسرائيل، كما حاولت توسيع نطاق المواجهة عبر تهديد ممرات الطاقة الدولية وناقلات النفط في المنطقة. ويعكس هذا السلوك محاولة إيرانية واضحة لتحويل الحرب إلى مواجهة إقليمية واسعة تزيد من كلفتها على الغرب وتدفع المجتمع الدولي إلى الضغط لوقفها.

ومع اتساع رقعة المواجهة، دخلت المنطقة مرحلة جديدة تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، إذ أصبحت ممرات الطاقة ومنشآت النفط والاقتصاد العالمي جزءاً من معادلة الصراع. فإيران تدرك أن قدرتها على مواجهة التفوق العسكري الأمريكي الإسرائيلي محدودة في الميدان المباشر، ولذلك تسعى إلى استخدام أوراق الضغط غير التقليدية، وعلى رأسها تهديد أمن الطاقة العالمي. ومن هنا تبرز المخاوف من أن تتحول الحرب إلى صراع مفتوح يمتد إلى مياه الخليج والبحر الأحمر وربما أبعد من ذلك، بما يهدد استقرار الاقتصاد العالمي.

أما في الجانب الغربي، فتبدو الإستراتيجية الأميركية والإسرائيلية قائمة على مبدأ الحسم السريع وتجنب الانزلاق إلى حرب طويلة. فالتجارب السابقة في المنطقة أظهرت أن الحروب الممتدة تستنزف القوى الكبرى وتخلق بيئات معقدة يصعب السيطرة عليها. لذلك تعتمد الخطة العسكرية الحالية على توجيه ضربات مركزة ومكثفة تستهدف البنية العسكرية الإيرانية في عمقها، إلى جانب تنفيذ عمليات استخباراتية دقيقة تهدف إلى إضعاف منظومة القيادة داخل النظام الإيراني. كما تسعى واشنطن وتل أبيب إلى توسيع دائرة الضغط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي على طهران، في محاولة لدفعها إلى القبول بتسوية تفرض عليها قيوداً استراتيجية بعيدة المدى.

في هذا السياق، برز دور الشركاء الأوروبيين الذين يقفون في موقع حساس بين دعم الحليف الأميركي والحفاظ على مصالحهم الاقتصادية وأمن الطاقة. فالدول الأوروبية تميل إلى تأييد الضغوط على إيران وتقديم الدعم السياسي والاستخباراتي للعمليات العسكرية، لكنها في الوقت ذاته تحاول تجنب الانخراط المباشر في الحرب خشية توسعها إلى مواجهة إقليمية شاملة قد تهدد استقرار أسواق الطاقة وتؤثر على الاقتصاد الأوروبي.

غير أن أحد أكثر أبعاد هذه الحرب حساسية يتمثل في موقع إقليم كُردستان العراق ضمن المعادلة الجديدة. فالإقليم، بحكم موقعه الجغرافي القريب من الحدود الإيرانية، أصبح فجأة في قلب التوترات العسكرية والسياسية. وقد شهدت مناطق في الإقليم موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت مبنى القنصلية والقاعدة الأميركية في أربيل  ومواقع مرتبطة بأحزاب كُردية إيرانية معارضة، في رسالة واضحة مفادها أن طهران لن تسمح بتحول الأراضي الُكردية إلى منصة لفتح جبهة جديدة ضدها.

هذا التصعيد يعكس القلق الإيراني العميق من احتمال انتقال الحرب إلى داخل أراضيها عبر البوابة الكُردية، خاصة في المحافظات الكُردية غرب إيران التي شهدت خلال السنوات الماضية موجات من الاحتجاجات والاضطرابات. فالنظام الإيراني يدرك أن أي تحرك مسلح في تلك المناطق قد يفتح جبهة داخلية يصعب السيطرة عليها في ظل الضغط العسكري الخارجي.

وفي هذا الإطار، اكتسبت الاتصالات السياسية الأخيرة بين القيادة الأميركية وبعض القيادات الكُردية أهمية خاصة. فقد كشفت تقارير إعلامية عن اتصال هاتفي أجراه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع عدد من القادة الكُرد، بينهم الزعيم مسعود بارزاني ورئيس الاتحاد الوطني بافل طالباني ومصطفى هجري، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. وتشير هذه الاتصالات إلى أن واشنطن تسعى إلى استكشاف إمكانات الدور الكُردي في المرحلة المقبلة من الصراع، سواء على مستوى الضغط السياسي أو في إطار تحركات أوسع قد تشمل الداخل الإيراني.

لكن هذا الملف يبقى شديد الحساسية بالنسبة لقيادة إقليم كُردستان التي تدرك أن أي انخراط مباشر في الحرب قد يعرّض الإقليم لردود فعل عسكرية قاسية من جانب إيران، ويهدد استقراره الاقتصادي والأمني. لذلك يبدو أن القيادة الكُردية تحاول السير على خط دقيق بين الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وبين تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع طهران.

وبينما تتواصل العمليات العسكرية، يطرح العديد من المراقبين سؤالاً جوهرياً حول الكيفية التي يمكن أن تنتهي بها هذه الحرب. فالتقديرات الغربية تشير إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيداً إضافياً في الضربات الجوية داخل العمق الإيراني، وربما عمليات استخباراتية تستهدف شخصيات عسكرية وسياسية بارزة. وفي الوقت نفسه، تراهن بعض الدوائر في واشنطن وتل أبيب على احتمال تصاعد الاحتجاجات الداخلية في إيران نتيجة الضغوط الاقتصادية والعسكرية، الأمر الذي قد يؤدي إلى إضعاف النظام من الداخل.

أما طهران، فتبدو مصممة على تبني الصبر الاستراتيجي، وهي استراتيجية تقوم على امتصاص الضربات الأولية ثم الرد تدريجياً عبر أدوات متعددة تشمل الصواريخ وحلفاءها في المنطقة والضغط على المصالح الغربية. ويعكس هذا النهج قناعة لدى القيادة الإيرانية بأن إطالة أمد الحرب قد تؤدي إلى تآكل التحالف الدولي ضدها، كما حدث في تجارب تاريخية سابقة.

في ضوء كل هذه المعطيات، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الغموض قد تحمل مفاجآت كبيرة. فالحرب الحالية لا تتعلق فقط بتوازنات القوة العسكرية، بل ترتبط أيضاً بمستقبل النظام السياسي في إيران وبشكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط خلال العقود القادمة. وإذا استمرت العمليات العسكرية بالوتيرة نفسها، فإن العالم قد يكون على أعتاب تحول جيوسياسي كبير يعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة، ويحدد ملامح مرحلة جديدة قد متختلف جذرياً عما عرفه الشرق الأوسط خلال العقود الماضية .