المؤرخ الموسيقي إيلايجا والد يتتبع تجليات عالم البلوز وتاريخه المنسي
يشكل كتاب "موسيقى البلوز: مقدمة موجزة" للملحن والمؤرخ الموسيقي إيلايجا والد، والذي نقلته إلى العربية المترجمة صفاء كنج وراجعه محمد فتحي خضر، رصدا لولادة موسيقى البلوز وتطورها عبر سرد كثيف يغطي أكثر من قرن من التحولات، بدءاً من نهايات القرن التاسع عشر وتلاقحها مع الأساليب الموسيقية الأخرى.
إن هذا الكتاب الصادر عن مركز أبوظبي للغة العربية ضمن مشروع "كلمة" للترجمة، بالتعاون مع جامعة أكسفورد، يتجاوز كونه مجرد أرشيف موسيقي؛ فهو يفتح نافذة فسيحة على الفلسفة والتاريخ، ليروي قصة شعب حوّل الألم إلى فن، والصرخة إلى نغم، والهزيمة إلى انتصار روحي. إنه فن "الصدق" الذي لا يخشى مواجهة الجوانب المظلمة من الحياة، فمن صرخات بليند ليمون جيفرسون في دالاس، إلى أنغام جيمي هندريكس الكهربائية الصاخبة، تظل الرسالة واحدة: البلوز هو صوت الإنسان الذي يرفض الانكسار، وهو الدواء الذي يمنحنا القدرة على الوقوف وسط العاصفة والغناء لها بابتسامة مريرة. إنه التقليد الذي سيبقى حياً ما دام هناك إنسان يشعر، ويتألم، ويملك الشجاعة ليقول للعالم: "أنا هنا، وأنا أغني".
إن فهم هذا النوع الموسيقي، الذي يقع في صميم الثقافة الأمريكية، غير ممكن من دون الإحاطة بالتغيرات الثقافية والمجتمعية والسياسية والاقتصادية التي عرفتها الولايات المتحدة والعالم. ومن هنا، يقودنا إيلايجا والد بأسلوبه السهل ليثري معرفتنا بهذا الفن الذي انبثق من الجنوب الأمريكي العميق في ظل العبودية. حيث يرى إيلايجا الذي جال العالم وتخصص في موسيقى الجذور، أن البلوز ليس مجرد "ستايل" غنائي، بل هو تقليد واسع ضمن ثقافة شعبية تتطور باستمرار، تضرب جذوره في معسكرات العمل والأناشيد الدينية، قبل أن يتحول على يد فنانين محترفين مثل وليام سي هاندي إلى فن شعبي عالمي، مؤثراً في الجاز والكانتري والروك وصولاً إلى الراب والشعر الحديث.
ويقول عن تجربته الشخصية كعازف ومؤرخ "إن علاقتي بموسيقى البلوز كانت دائماً علاقة اكتشاف مستمر، لكنني لم أضع أصابعي حقاً على جوهر أسلوب "بليند ليمون جيفرسون" إلا قبيل تسجيلي لألبومي "Street Corner Cowboys". حينها، انخرطتُ في ما يشبه الدورة التدريبية المكثفة لفك رموز مدرسته؛ حيث انتهى بي الأمر بتسجيل اثنتين من أغانيه، وتقديم ورش عمل لتعليم منهجه الموسيقي. كان جيفرسون هو الفنان الذي جسد روح "الداون هوم بلوز" بكل معانيها، ولعلني لا أبالغ إن قلت إن هذه العبارة استُخدمت لأول مرة في تاريخ التسجيلات للإعلان عن أعماله تحديداً عام 1926. في ذلك الوقت، كانت "ملكات البلوز" مثل بيسي سميث وإيدا كوكس يهيمنّ على الصناعة بأسلوب حضري مصقول وجاذبية مسرحية طاغية، لكن جيفرسون جاء من الهامش ليقدم "صوت الشارع الخام"؛ ذلك الصوت الذي يرتفع كصرخة حادة تشق ضجيج الأزقة، مع عزف على الجيتار يتسم بالالتواء والغرابة، ويسير وفق إيقاعات متشنجة تكسر القواعد التقليدية الصارمة.
ويشير إيلايجا إلى إن هذا النجاح المذهل الذي حققه جيفرسون هو الذي أطلق شرارة البحث عن عازفي الجيتار الريفيين، وحفظ لنا تراثاً غنياً لمبدعين مثل بليند بليك وميسيسيبي جون هيرت، الذين كانوا لولا هذا الاكتشاف مجرد أصوات عابرة في مهب الريح. والبلوز بالنسبة لي ليس مجرد قالب غنائي جامد مكون من اثني عشر مازورة، بل هو تقليد واسع وضارب في عمق الثقافة الإنسانية، ومن خلال تتبع تطوره من عصر "ما ريني" إلى "بوب ديلان" و"جيمي هندريكس"، ندرك دوره المحوري في تشكيل الموسيقى العالمية. إن الحالة التي وصفها "هاولن وولف" بأنها تصيبك حين لا تملك المال لدفع الإيجار هي مجرد قشرة خارجية لجوهر أعمق؛ فالبلوز هو فلسفة نغمية وإيقاعية معقدة، وقوة ثقافية استطاعت أن تنقل قصة الألم الإنساني من الحقول المنسية إلى آفاق عالمية أرحب.
ويوضح أنه لكي نفهم البلوز حق الفهم، علينا أن نعود إلى تلك اللحظة التاريخية التي تسبق وجود الكلمة ذاتها في القواميس الموسيقية. إنها تبدأ من حقول القطن ومزارع الجنوب، حيث كانت "صيحات الحقول" هي الوسيلة الوحيدة للتواصل والبقاء تحت وطأة العبودية القاسية. هذه الأصوات، بنبراتها المتأرجحة بين الشجن والقوة، امتزجت بالترانيم الروحية الكنسية والموسيقى الشعبية التي جلبها المهاجرون الأوروبيون، لتخلق نسيجاً نغمياً فريداً يعتمد على "مقياس الخمس نغمات" الأفريقي، لكنه يعاد صياغته ضمن سياق القهر والعبودية الأمريكي. لم يكن البلوز يوماً مجرد "موسيقى حزينة" للاستسلام، بل كان أداة نفسية واجتماعية للتحرر من قيود الواقع الصعب، وصمام أمان للروح في مواجهة الانكسار.
ويرى إيلايجا أنه مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، بدأ هذا الفن يتبلور في القرى والمزارع كشكل من أشكال الترفيه المحلي في الحفلات الليلية المرتجلة، قبل أن تلتقطه أذن وليام سي هاندي، الذي كان أول من دوّن ونشر موسيقى البلوز كنوتة موسيقية مطبوعة. هذا الانتقال من "الشفاهية" إلى "التدوين" سمح للبلوز بالخروج من نطاقه الجغرافي والعرقي المحدود إلى مسارح المدن الكبرى، ليصبح جزءاً من الموسيقى التجارية السائدة. وفي عشرينيات القرن الماضي، شهدت أمريكا انفجار ما عُرف بـ "سجلات السباق"، حيث كانت النساء هن الرائدات الأوائل في هذا المجال؛ فنانات مثل مامي سميث وما ريني وبيسي سميث قدمن البلوز كعرض استعراضي باذخ، يرافقهن عازفو بيانو وفرق جاز كاملة، في مرحلة تُعرف بـ "البلوز الكلاسيكي" أو الحضري، حيث كانت الكلمات تتناول قضايا معقدة مثل الحب المفقود، والخيانة، والبحث عن الذات في زحام المدن القاسية. لكن التيار الحقيقي الذي أعاد صياغة هوية البلوز وربطها بجذورها الريفية كان ينبع من الجنوب العميق، وتحديداً من منطقة "الدلتا" في ميسيسيبي. هناك، كان الجيتار الخشبي هو الرفيق الوحيد للمغني، وحيث كانت التقنيات الموسيقية المبتكرة مثل "السلايد" (استخدام أنبوب معدني أو عنق زجاجة على الأوتار) تحاكي أنين وصراخ الصوت البشري ببراعة مذهلة. ومع حركة الهجرة الكبرى للأفارقة الأمريكيين نحو الشمال بحثاً عن الكرامة وفرص العمل في المصانع، هاجر البلوز معهم في حقائبهم الروحية. وفي مدن مثل شيكاغو وسانت لويس وديترويت، حدث التحول التقني والجمالي الأهم: وُضع القابس في الكهرباء.
ويكشف أنه بتحول البلوز إلى صوت صاخب وقوي عبر الجيتار الكهربائي والهارمونيكا المكبّرة، برزت أسماء خالدة مثل مادي ووترز وجون لي هوكر وهاولن وولف. كان هذا "البلوز الكهربائي" هو الشرارة الحقيقية التي أشعلت ثورة الروك أند رول لاحقاً. إن الفرق الموسيقية الكبرى في الستينات، مثل "الرولينج ستونز" و"ليد زيبلين"، لم يفعلوا في بداياتهم سوى إعادة اكتشاف هؤلاء العمالقة السود الذين همشهم التاريخ التجاري لفترة، وأعادوا تقديمهم للعالم كآباء روحيين للموسيقى الحديثة. إن التداخل بين البلوز والأنواع الموسيقية الأخرى هو محور أساسي في فهمنا للثقافة المعاصرة؛ فموسيقى الجاز، برقيّها التوافقي وارتجالاتها اللانهائية، تظل في جوهرها مدينة لروح البلوز، فالبنية الموسيقية المكونة من "12 مازورة" هي الهيكل العظمي الذي بنى عليه عباقرة مثل تشارلي باركر ومايلز ديفيس معجزاتهم الموسيقية. وبالمثل، نجد أن موسيقى "الكانتري" ـ التي تُصنف غالباً وبشكل خاطئ كموسيقى "بيضاء" حصراً ـ هي في الواقع مشبعة بالبلوز إلى حد لا يمكن فصله. فالتفاعل الثقافي اليومي في الجنوب الأمريكي خلق نوعاً من الامتزاج الموسيقي العفوي، حيث تعلم عمالقة الكانتري مثل هانك ويليامز وجيمي رودجرز تقنياتهم النغمية من عازفين سود مجهولين في زوايا الشوارع، مما يجعل البلوز العمود الفقري لمعظم الأنماط الموسيقية الأمريكية بامتياز، واللغة المشتركة التي عبرت حواجز الفصل العنصري والطبقي.
ويوضع إيلايجا أن البلوز لا يقتصر على النغم فحسب، بل هو مدرسة شعرية فريدة تمتلك بلاغتها الخاصة. إن بناء بيت البلوز التقليدي، بتكراره المميز، يمنح المستمع فرصة لاستبطان المعنى وتأمله قبل تقديم الخلاصة النهائية بمرارة أو سخرية لاذعة. يتناول شعر البلوز موضوعات الوجود، والوحدة، والظلم الاجتماعي بصدق عارٍ يفتقر إليه الغناء العاطفي التقليدي المبتذل. لقد تأثر الشعراء الأمريكيون الكبار بهذا البناء الشعري، ونقلوه من الحانات المظلمة إلى أرقى الدواوين الأدبية، معتبرين أن البلوز هو أصدق تعبير عن "التراجيديا الإنسانية" في صراعها مع القدر والظروف. وحين نصل إلى العصر الحديث، نكتشف أن البلوز لم يمت ولم يتقاعد، بل "غير جلده" ليتناسب مع إيقاع العصر. إن موسيقى "الهيب هوب" و"الراب" هي الوريث الشرعي والحي لروح البلوز في التعبير عن الواقع المهمش والاحتجاج الصارخ ضد التهميش. مغني الراب اليوم، مثل عازف البلوز الضرير في عشرينيات القرن الماضي، يستخدم صوته وسرده القصصي لتوثيق حياة الشارع وتحدي السلطة وبناء هوية ثقافية مستقلة. إن هذا الاستمرار المذهل يثبت أن البلوز ليس مجرد "متحف" نزوره لاستعادة الذكريات، بل هو طاقة حيوية متجددة، ونهر متدفق يغذي الإبداع البشري ما دام هناك وجع يستحق الغناء، وحلم يستحق الدفاع عنه. إن هذا الكتاب، بترجمته الرصينة، يضع بين يدي القارئ العربي مفاتيح فهم هذا العالم الساحر، ليؤكد أن الموسيقى هي اللغة العالمية الوحيدة التي يمكنها تحويل أنين المظلومين إلى ألحان تتردد في جنبات الأرض.