الفنانان حسن غانم وراندا إسماعيل بين عمارة الروح وسحر التاريخ

غاليري 'ضي الزمالك' يحتضن حوارا بصريا يجمع بين تجربة استلهام التراث المصري القديم برؤية حداثية وأعملا تمزج بين شجن العمارة والأسئلة الوجودية.

بين عمارة الروح وسحر التاريخ، احتضن غاليري "ضي الزمالك" مساء الثلاثاء تظاهرة تشكيلية رفيعة المستوى بافتتاح معرضي الفنانين حسن غانم وراندا إسماعيل، في ليلة جمعت نخبة من رموز الفن والنقد والصحافة، لتعلن عن انطلاق حوار بصري ممتد يمزج بين عبق التراث المصري في "بني حسن" وبين الأسئلة الوجودية المفتوحة على آفاق الواحات والنوبة، مقدمةً مشهداً إبداعياً يجسد حيوية الفن المصري المعاصر وقدرته على إعادة اكتشاف الجذور برؤى حداثية مغايرة.

في المعرض تتكشف أمام الزائر تجربة بصرية فريدة تجمع بين عالمين تشكيليين يجمعهما الانتماء العميق لروح الأرض المصرية، لكنهما يفترقان في أدوات التعبير وزوايا النظر، فبينما تأخذنا الفنانة راندا إسماعيل في رحلة وجودية تسائل المصير، يقدم الدكتور حسن غانم تجربة ناضجة في التحرر من سطوة التاريخ مع الحفاظ على بصمته في وجدان الفنان. هذه الثنائية الفنية تخلق حواراً صامتاً بين جدران الغاليري، حيث تبدو لوحات راندا إسماعيل الخمسون كأنها نوافذ مفتوحة على فضاءات الواحات والنوبة، ليس بوصفها توثيقاً جغرافياً، بل كحالة شعورية تتجاوز حدود المكان، فهي مهندسة العمارة التي طوعت صرامة الزوايا الهندسية لتجعلها أكثر ليونة وشاعرية، مستلهمة من البيئة المصرية تلك الزخارف الفطرية والبيوت التي تحتضن ساكنيها، وكأنها في معرضها "إلى أين؟" لا تبحث عن إجابة جغرافية، بل ترصد حركة الروح في سعيها الأبدي نحو الأمل، حيث يتجلى النور في لوحاتها كعنصر درامي يمنح الكتل المعمارية حياة نابضة، ويحول البساطة الإنسانية في المناطق النائية إلى أيقونات جمالية تفيض بالسكينة، وهو ما جعل أعمالها تبدو كقصيدة ممتدة تتأمل القضايا الاجتماعية بلمسة وجدانية هادئة.

وعلى الضفة الأخرى من هذا اللقاء، يطل الدكتور حسن غانم في معرضه "الهارب من بني حسن" بستين عملاً فنياً تشكل خلاصة تجربة إبداعية عريضة تنقلت بين الجرافيك والتصوير والنحت، محاولاً فك الشفرات التاريخية الكامنة في الجذور المصرية القديمة وإعادة صياغتها برؤية معاصرة، فالفنان هنا لا يستسلم لجمود التراث، بل "يهرب" به ومنه نحو آفاق فنية تدمج بين دقة التقنية الجرافيكية وحرية التصوير، حيث تبدو أعماله وكأنها طبقات من الذاكرة تراكبت فوق بعضها البعض لتنتج ملامس بصرية غنية بالدلالات، وهو في ذلك يشبه الطائر الذي يجمع رحيقه من محطات متعددة في حياته التي قضاها بين البحث والتدريس والإدارة، ليصب كل تلك الخبرات في قوالب تشكيلية تتسم بالعطاء المستمر والقدرة على التجدد، فنجد في لوحاته سطوة الخطوط التي تذكرنا ببراعة الفنان المصري القديم في مقابر بني حسن، لكنها خطوط متمردة، تبحث عن مسارات جديدة تتلاءم مع إيقاع العصر، مما يجعل معرضه مختبراً حقيقياً لاختبار قدرة الفنان على تطويع الخامات المختلفة لخدمة فكرة الهوية والتحرر.

إن هذا التلاقي بين راندا إسماعيل وحسن غانم، وسط حضور لافت للقامات الفنية والنقدية، يعكس حيوية المشهد التشكيلي المصري وقدرته على استيعاب الرؤى المتباينة، فبينما نلمس عند راندا ذلك الحنين الرومانسي للبيئة المغلفة بالأمل، نجد عند غانم تلك القوة الجرافيكية التي تحفر في عمق التراث لتستخرج منه رؤى حداثية، وكأن المعرضين معاً يقدمان إجابة بصرية شاملة عن ماهية الفن الصادق الذي لا ينفصل عن ناسه وأرضه، بل يظل يطرح الأسئلة المفتوحة حول وجهتنا القادمة ومدى قدرتنا على الحفاظ على أصالتنا وسط عالم دائم التغير، فالمشاهد لهذه الأعمال يجد نفسه أمام مرآة تعكس تجليات الروح المصرية في أصفى صورها، سواء من خلال العمارة الوجدانية للبيوت أو من خلال الرموز التاريخية التي أعيد بعثها بروح معاصرة، ليبقى غاليري ضي شاهداً على هذه اللحظة التي يلتقي فيها التاريخ بالجغرافيا في بوتقة الفن الخالص.