بين ليل القاهرة ونور الضرورة… قرار مؤقت بحكمة مطلوبة

القاهرة ليست مجرد مدينة، بل حالة إنسانية وثقافية متكاملة. والسهر ليس رفاهية فيها، بل جزء من تكوينها الاجتماعي والاقتصادي.

بقلم منال الزبيدي

(المكان منوّر بأهله)… عبارة مصرية خفيفة على القلب، تختصر روح بلدٍ لا تُقاس إنارته بالكهرباء فقط، بل بالحياة التي تنبض في شوارعه. ومن يعرف القاهرة، يعرف أن هذه الحياة تبلغ ذروتها حين يحلّ الليل. 

في زياراتي الثلاثة إلى القاهرة، كان أكثر ما أحببته هو تلك الحياة الصاخبة، ليالي السهر التي لا تشبه أي مدينة أخرى. القاهرة ليست مدينة تُطفئ أنوارها لتنام، بل مدينة تستيقظ حين يهدأ النهار. المقاهي تمتلئ، الأرصفة تتحول إلى مسارح صغيرة، وأحاديث الناس تمتد حتى ساعات الفجر الأولى. 

وقد حضرت في مدن عدة، منها لندن، مسرحيات وحفلات موسيقية وغنائية، لكنني لم أستمتع بها في أوقات النهار كما استمتعت بها ليلاً. الليل يضفي على الفنون والموسيقى شجونًا خاصة، يحرّر الإحساس ويمنح اللحظة عمقًا مختلفًا. فكيف الحال بمصر، أم الدنيا، بكل ما فيها من فنون وثقافة وحضارة، إذا غاب عنها سحر الليل؟ 

من هنا، بدا قرار الحكومة المصرية بإغلاق المحلات التجارية والمولات والمطاعم والكافيهات يوميًا عند الساعة التاسعة مساءً، بدءًا من 28 مارس/آذار 2026 ولمدة شهر مبدئيًا، صادمًا للكثيرين. فالقاهرة، كما يعرفها الجميع، كائن ليلي بامتياز. 

لكن، ورغم هذا الشعور الأولي، لا يمكن إنكار أن القرار يأتي في سياق عالمي ضاغط، حيث تعيد الدول ترتيب أولوياتها في مواجهة أزمات الطاقة. وقد أشارت البيانات الأولية إلى أن تطبيق الإغلاق المبكر ساهم في خفض استهلاك الكهرباء بنحو 10 بالمئة خلال الأيام الأولى، وهو رقم لا يمكن تجاهله. 

لذلك، قد يكون من الإنصاف النظر إلى القرار باعتباره حلًا مؤقتًا وضروريًا، لا تغييرًا دائمًا في هوية مدينة بحجم القاهرة. 

ومما يحسب للحكومة، أنها استثنت الفنادق والمطاعم السياحية في مناطق مثل شرم الشيخ والغردقة والأقصر وأسوان ومرسى علم، حفاظًا على النشاط السياحي الحيوي الذي يجلب العملة الصعبة 

لكن يبقى السؤال المشروع: ماذا عن القاهرة؟ 
أليست هي الأخرى وجهة رئيسية للزوار والسائحين العرب؟ صحيح أن حجم العملة الصعبة قد يكون أقل مقارنة بالمدن السياحية الساحلية، لكن أعداد هؤلاء الزوار وتأثيرهم الاقتصادي لا يُستهان به. 

إن نجاح القرار على المدى القصير لا ينبغي أن يكون مبررًا لتحويله إلى سياسة دائمة. فالدول لا تعتمد فقط على الإغلاق المبكر لترشيد استهلاك الطاقة، بل تتبنى حلولًا أكثر استدامة وتوازنًا. 

وقد سبقت دول عربية مثل السعودية والإمارات والمغرب والأردن إلى تبني سياسات متعددة، من بينها: 

1/ اعتماد أنظمة المباني الخضراء ودعم العزل الحراري 

2/ تشجيع الطاقة الشمسية في المنازل 

3/ فرض معايير كفاءة للطاقة على الأجهزة الكهربائية 

4/ استبدال الإنارة التقليدية بإنارة LED في الشوارع 

5/ تحديد درجة حرارة التدفئة والتكييف قانونيًا  

6/ تشجيع العمل من المنزل لتقليل استهلاك الطاقة في المكاتب 

7/ حملات توعية لترشيد الاستهلاك 

القاهرة ليست مجرد مدينة، بل حالة إنسانية وثقافية متكاملة. والسهر ليس رفاهية فيها، بل جزء من تكوينها الاجتماعي والاقتصادي. من الصعب تخيّلها صامتة عند التاسعة مساءً، كما يصعب تخيّل نهر النيل بلا ضفاف. 

ومع ذلك، ربما تحمل هذه المرحلة فرصة لإعادة التفكير، ليس في إلغاء الليل، بل في إدارته بشكل أكثر كفاءة. 

نعم، قد تبدو الشوارع أكثر هدوءً هذه الأيام، وقد يشعر البعض بأن شيئًا من روح المدينة قد خفت. لكن المدن الكبرى مرّت دائمًا بمراحل مشابهة، ونجحت في التكيّف دون أن تفقد هويتها. 

المطلوب اليوم ليس رفض القرار بقدر ما هو التأكيد على إعطائه صفة مؤقتة، وعلى ضرورة أن يترافق مع خطة طويلة الأمد تعالج جذور المشكلة، لا مظاهرها فقط. 

فمصر ستبقى منوّرة بأهلها… لكن الأجمل أن تبقى أيضًا منوّرة بأنوارها، ليلاً، كما عرفها وأحبها الجميع.