رسائل دولة الإمارات وسط العاصفة
أكدت تصريحات رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، يوم السبت، أن بلاده عزيزة وقوية وصامدة ولن تنكسر، وقادرة على مواجهة التحديات التي فرضتها الاعتداءات الإيرانية عليها. وقد حملت هذه التصريحات رسائل داخلية وخارجية مهمة في خضم حرب عاصفة تمر بها دول الخليج العربي.
وشدد رئيس الدولة على تعزيز سبل الأمن باعتباره رصيداً إستراتيجياً لا غنى عنه، مظهراً حرصاً لافتاً على الحفاظ على حياة المواطنين والمقيمين على حد سواء. وبكلمات بسيطة ودقيقة ومباشرة تمكن من تبديد شكوك ساورت البعض بشأن مستقبلهم في دولة الإمارات.
كما بعثت نبرة الثقة التي تحدث بها برسائل طمأنة إلى كثيرين بأن الدولة ستخرج من هذه الأزمة أكثر قوة وصلابة، بعد أن كشفت الأحداث عمق التلاحم في الجبهة الداخلية، ورفض المجتمع الإماراتي السماح لأي جهة بزعزعة الاستقرار الذي تنعم به البلاد منذ سنوات طويلة.
ويشير أسلوب التعامل الإماراتي مع الحرب وتداعياتها إلى ما يتمتع به الشيخ محمد بن زايد من درجة عالية من الثبات الانفعالي، وهو ما ساعد الدولة على تجاوز كثير من المطبات التي حاولت النيل من صورتها كدولة آمنة ومستقرة وجاذبة للاستثمارات العالمية.
وتعكس الكلمات المباشرة والمفردات الحاسمة التي استخدمها فهماً عميقاً لما يدور حوله من تطورات، وتصميماً واضحاً على عدم الحياد عن المسار الإيجابي الذي رسمه لبلاده منذ سنوات. فقد انتقلت الإمارات من دولة مركزية في الشرق الأوسط إلى دولة مؤثرة في كثير من تفاعلات العالم، بما تملكه من إمكانيات اقتصادية كبيرة، وقيادة حكيمة، وتلاحم داخلي واضح داخل المجتمع في الإمارات والذي أصبح أقوى وأكثر وضوحًا بسبب اندماج المواطنين والمقيمين في مشروع التنمية والتقدم الذي وضعته القيادة الإماراتية.
وحرص الشيخ محمد بن زايد في تصريحاته على التأكيد أن الأزمة، مهما بلغت تحدياتها، لن تدفع الإمارات إلى التراجع عن طموحاتها أو تغيير مسارها. وسيخيب ظن من أطلقوا مئات الصواريخ والمسيرات على أراضيها أملاً في تبديل توجهاتها، كما سيفشل رهان من اعتقدوا أن القيادة الإماراتية قد تتخلى عن ثوابتها تحت ضغط التهديدات.
ومن المرجح أن تنتهي هذه الأزمة خلال أيام أو أسابيع بانتصار المنهج الإماراتي في التعامل مع المعطيات الإقليمية والدولية بديناميكية عالية، تقوم على حسن قراءة التحولات المتسارعة في العالم، وفهم عميق لتوازنات القوى، وقدرة لافتة على استيعاب معادلات التكنولوجيا الحديثة. وقد أسهمت الرؤية المبكرة في هذا المجال في جعل الإمارات واحدة من أبرز الدول جذباً للاستثمارات التكنولوجية في العالم.
وقد أصابت تصريحات الشيخ محمد بن زايد أكثر من هدف، بوضوحها وصراحتها وشفافيتها. فقد تحدث بثقة عن قدرات بلاده وأجهزتها الأمنية المدربة على مواجهة الأزمات، مجدداً التزامه بالخرائط الإستراتيجية التي وضعتها الدولة لنفسها، والتي تسعى إلى ترسيخ مكانة الإمارات بين الدول المتقدمة في العالم.
كما وجه رسالة واضحة إلى من استهدفوا بلاده أو قد يفكرون في استهدافها مستقبلاً بقوله (لا تغشكم الإمارات… الإمارات جلدها غليظ ولحمتها مُرّة): الإمارات صامدة وقوية، ولن تتنازل عن مكتسباتها. فهي دولة قامت على ركائز صلبة وتملك القدرة على مواجهة التحديات وإفشال خطط من تآمروا عليها سياسياً أو عسكرياً، ولن ترضخ لابتزاز أو لضغوط صاروخية عابرة.
لقد سعت إيران، من خلال هجماتها، إلى النيل من النموذج المتكامل الذي تقدمه دولة الإمارات تحت قيادة الشيخ محمد بن زايد. وليس من قبيل الصدفة استهداف مراكز حيوية في دبي بمئات الصواريخ والمسيّرات، فالمقصود كان ضرب نموذج ناجح يشع تأثيره في منطقة الخليج، ويوجه رسالة أمل لكل من يسعى إلى التنمية والاستقرار.
لكن هذه المحاولات أخفقت في تحقيق أهدافها، فقد خرجت الإمارات من هذه المواجهة أكثر صلابة، واكتسبت مناعة أمنية وسياسية واقتصادية تعزز قدرتها على مواصلة طريقها دون انحراف.
وعندما يسارع عدد كبير من قادة العالم إلى التواصل مع رئيسها وعرض الدعم والتضامن، فإن ذلك يعكس إدراكاً دولياً بأن النهج الإماراتي يسير في الاتجاه الصحيح، وأن هذا النموذج أصبح محل تقدير واحترام، بل وقابلاً للاحتذاء في دول أخرى.
كما كشفت مظاهر المؤازرة الداخلية والخارجية أهمية الحفاظ على النموذج الإماراتي في المنطقة، ورفض المساس به أو السماح بتقويضه، فالإمارات لم تعد مجرد دولة مستقرة اقتصادياً، بل أصبحت فكرة حاضرة في وجدان كثيرين حول العالم، ونموذجاً للتنمية والانفتاح والاستقرار.
وتنطوي محاولات كسر هذا النموذج على قدر كبير من العداء لفكرة التقدم نفسها، فالصراع في جوهره ليس صراعاً عسكرياً فحسب، بل هو تنافس بين رؤيتين للمستقبل: رؤية تقوم على العلم والتنمية والانفتاح، وأخرى أسيرة للماضي ومشحونة بروح الانتقام.
لقد نجحت الإمارات في التأثير في محيطها الإقليمي بما تملكه من موارد تنموية وقدرة على توظيف أدواتها الناعمة بفاعلية، وهو ما جعل نموذجها يتسلل إلى وجدان كثير من الشعوب. وربما لهذا السبب تحوّل هذا النجاح إلى مصدر قلق لدى بعض الأطراف التي ترى فيه تحدياً لنموذجها الخاص.
ويمثل النموذج الإماراتي، في جوهره، اتجاهاً معاكساً للنموذج الإيراني؛ إذ يذكره بما كان يمكن أن تكون عليه الأمور لو جرى استثمار الموارد المادية والبشرية في التنمية بدلاً من الصراع.
في النهاية، تبدو الإمارات اليوم أكثر من مجرد دولة؛ إنها فكرة تتجسد في تجربة تنموية هادئة وفاعلة، استطاعت أن تفرض حضورها على الساحة الدولية بأدوات ناعمة ورؤية بعيدة المدى، بينما اختارت دول أخرى طريق الصدام والممانعة واستخدام القوة العسكرية لمحاولة إيقاف مسار النماذج الناجحة.