لماذا يستهدف الإخوان الإمارات؟
تكشف الحملات المنظمة التي تشنها لجان إلكترونية (ذباب الكتروني) محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين ضد سياسات دولة الإمارات العربية المتحدة عن حالة ارتباك عميقة تعيشها الجماعة، أكثر مما تعكسه من قوة أو تأثير، فالهجوم المتكرر على أبوظبي لا يبدو عفوياً، بل يأتي في سياق محاولة ممنهجة للانتقام من دولة اتخذت موقفاً واضحاً وثابتاً في مواجهة التطرف السياسي والديني، ورفضت الانحناء أمام الضغوط أو المساومات.
وتتبنّى الإمارات منذ سنوات مقاربة تقوم على مواجهة جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن مشاريع هذه التنظيمات لا تنسجم مع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة ولا مع متطلبات الاستقرار الإقليمي.
وترى أبوظبي أن ما أعقب أحداث ما سُمّي بالربيع العربي كشف عن أن خطاب "التمكين" ارتبط عمليا بحالات اضطراب سياسي وأمني في عدد من الدول، ما عزز قناعة صانع القرار بأن الوقاية من الفوضى تبدأ بمواجهة الأيديولوجيات التي تغذيها.
وتستند السياسة الإماراتية في هذا الملف إلى استراتيجية شاملة تشمل التشريعات الصارمة ضد التطرف، وتعزيز الخطاب الديني المعتدل، ودعم التنمية بوصفها أداة لتحصين المجتمعات من الاستقطاب الأيديولوجي.
وتؤكد تجارب صعود تيارات الإسلام السياسي إلى السلطة، مثلما حدث في مصر أو في مراحل مختلفة من تاريخ السودان وليبيا، أظهرت أن هذه الحركات تواجه صعوبات في إدارة الدولة وتغليب المنطق الأيديولوجي على منطق الدولة.
وتفسّر دوائر سياسية وإعلامية سبب العداء الذي تبديه جماعة الإخوان تجاه الإمارات بموقف الأخيرة الحازم ضد التنظيمات العابرة للحدود ورفضها منحها شرعية سياسية أو إعلامية.
وتؤكد كذلك أن شبكات رقمية محسوبة على جماعة الاخوان هي من يقوم بإدارة جزء كبير من حملات تشويه عبر منصات التواصل بما يشمل تضخيم روايات سلبية أو إعادة تدوير معلومات مضللة ومغالطات بهدف التأثير في الرأي العام.
وتؤكد الإمارات أن سياستها لا تستهدف تيارا بعينه بقدر ما تستهدف الأفكار التي توظف الدين لتحقيق مكاسب سياسية أو تبرير العنف. وتطرح نفسها كنموذج لدولة تسعى إلى ترسيخ الاستقرار والتنمية والانفتاح، معتبرة أن نجاح هذا النموذج هو في حد ذاته رد عملي على أطروحات الجماعات الأيديولوجية، ورسالة مفادها أن بناء الدول لا يتحقق بالشعارات بل بالمؤسسات والإنجازات.
وقد تبنت الإمارات منذ سنوات نهجاً حازما تجاه جماعة الإخوان، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن مشروع الإسلام السياسي يمثل تهديداً لاستقرار الدول الوطنية. في عام 2014 أدرجت أبوظبي الجماعة على قائمة التنظيمات الإرهابية، في إطار رؤية أوسع لحماية الأمن الوطني وتجفيف منابع التطرف. هذا الموقف لم يكن استثناءً إقليمياً، بل انسجم مع قرارات مماثلة اتخذتها مصر عام 2013، وكذلك السعودية والبحرين عام 2014، إضافة إلى حظر سابق أقرته روسيا منذ عام 2003 باعتبار الجماعة تنظيماً متطرفاً.
هذا الامتداد في قرارات التصنيف يعكس أن التحفظ على الجماعة ليس موقفاً سياسياً عابراً، بل قراءة أمنية تراكمت عبر تجارب مباشرة مع خطابها وممارساتها. ومع ذلك، تصر الجماعة على تصوير الموقف الإماراتي باعتباره "عداءً سياسياً"، متجاهلة أن أبوظبي لم تبدل مواقفها وفق تغيرات المحاور، ولم تتعامل مع ملف الإخوان بمنطق المزايدة أو المناورة، بل وفق حسابات أمن قومي واضحة.
انزعاج الإخوان من الإمارات يرتبط أيضاً بعلاقاتها المتوازنة مع قوى إقليمية ودولية مؤثرة، وبقدرتها على بناء شراكات استراتيجية في ملفات مكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي. هذه المكانة الدولية تجعل من استهدافها إعلامياً أداة لمحاولة عزلها أو التشكيك في أدوارها، خاصة في ساحات شهدت نشاطاً ملحوظاً للجماعة أو تيارات قريبة منها في ليبيا واليمن والسودان والصومال وغزة.
غير أن قراءة موضوعية للمشهد تكشف أن تحركات الإمارات في هذه الدول لم تكن موجهة ضد مكون اجتماعي بعينه، بل ضد مشاريع الفوضى وتقويض الدولة الوطنية، فحيثما تمدد خطاب الإسلام السياسي، ترافقت معه انقسامات حادة وصراعات داخلية أضعفت مؤسسات الدولة. ومن هنا جاء الرهان الإماراتي على دعم مؤسسات الدولة، وتعزيز الاستقرار، وقطع الطريق أمام عودة الجماعة كلاعب إقليمي يمكن توظيفه من قبل قوى تسعى إلى إعادة إنتاج الفوضى.
في المقابل، لجأت الجماعة إلى تصعيد حملاتها الإعلامية، مستغلة منصات التواصل الاجتماعي وتقنيات حديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، في فبركة محتوى أو تضخيم تباينات سياسية طبيعية بين دول عربية. الهدف الواضح هو الإيحاء بوجود قطيعة أو صراع دائم بين الإمارات ومحيطها الخليجي أو العربي. لكن التجربة أثبتت أن الخلافات الخليجية تُدار داخل البيت الخليجي، وأن العلاقات بين دوله تقوم على مصالح استراتيجية عميقة لا تهزها حملات إلكترونية عابرة.
وقد برهنت السنوات الماضية أن العلاقات بين الدول لا تُدار بالعواطف ولا بالشائعات، بل بلغة المصالح المتبادلة، فالأزمات التي نشبت في الإقليم خلال العقد الماضي، بما فيها التباينات بين بعض العواصم العربية، تم احتواؤها تدريجياً عبر الحوار والتفاهم.
ولم يكن مركز الخلاف خافياً: دعم جماعات الإسلام السياسي والتدخل في شؤون الدول الأخرى. ومع طي صفحات كثيرة من تلك الأزمات، لم يُسمع صوت إخواني ناقد لتلك التدخلات، بل سعت أبواق الجماعة إلى تبريرها.
في هذا السياق، تبدو محاولات الإخوان اختلاق "عدو دائم" في صورة الإمارات محاولة للهروب من مراجعة داخلية، فالجماعة التي خاضت مواجهة طويلة مع الدولة المصرية لأكثر من عقد، ولم تنجح في تحقيق أهدافها، لم تقدم مراجعة فكرية حقيقية، بل انتقلت إلى استراتيجية تحميل الآخرين مسؤولية إخفاقاتها. وبدلاً من الاعتراف بأن خطابها البراغماتي لم يقنع الشارع العربي، وأن تجربتها في الحكم في بعض الدول انتهت إلى أزمات حادة، فضّلت توجيه البوصلة نحو أبوظبي.
تتجاهل الجماعة أيضاً أن رصيد الإمارات في التنمية والتحديث وبناء نموذج دولة عصرية، يعزز مصداقيتها الإقليمية والدولية. فالدولة التي استثمرت في التعليم والتكنولوجيا والاقتصاد المعرفي، ونجحت في بناء صورة إيجابية عالمياً، ليست في وارد تعديل سياساتها تحت ضغط حملات تحريضية. كما أن وضوح موقفها من الإسلام السياسي منحها احترام شركاء يرون في الاستقرار أولوية قصوى.
إن القول إن دولاً عدة "وضعت الجماعة على لوائح الإرهاب" ليس ادعاءً دعائياً، بل واقع قانوني في عدد من الدول غير الأوروبية، كما سبقت الإشارة. ورغم أن بعض الدول الغربية لم تصنف الجماعة ككل تنظيماً إرهابياً، فإنها تُخضع شبكات مرتبطة بها لمراقبة دقيقة، وتتعامل بحذر مع خطابها وتنظيماتها. وهذا يعكس اتساع دائرة الشكوك الدولية حول طبيعة مشروعها السياسي.
في المحصلة، ما تقوم به لجان الإخوان ضد الإمارات أقرب إلى محاولة اغتيال معنوي لدولة لعبت دوراً بارزاً في فضح خطاب الجماعة وتناقضاته. غير أن التجربة أثبتت أن الحملات الإلكترونية لا تغير ثوابت الدول، ولا تعيد تشكيل موازين القوى. فالإمارات وضعت سياساتها وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تنطلق من حماية الدولة الوطنية وتحصين المجتمع من التطرف وتشر قيم الاعتدال والتسامح ودعم الاستقرار الإقليمي.
ومهما تصاعدت حملات التشكيك، سيبقى الرهان الإماراتي على الاستقرار والتنمية ومكافحة التطرف رهاناً مدعوماً بسجل من الإنجازات والعلاقات المتوازنة. أما جماعة الاخوان وأفرعها، فإن استمرارها في الهروب من مراجعة ذاتية جادة لن يؤدي إلا إلى تعميق أزمتها، وإبقائها في دائرة رد الفعل، بدلاً من أن تكون طرفاً قادراً على إقناع مجتمعاتها بمشروع سياسي واضح ومسؤول.