حين يُعيد الزمن صياغة الأقدار في '8,2 ثانية'

مكسيم شاتام ينسج حبكة وجودية مُكثفة تتقاطع فيها مسارات كاتبة منعزلة وشرطية مطاردة، مستكشفا كيف يمكن للحظات عابرة أن تصهر الألم والحب وتغير مجرى الأقدار.

لا نتقدم في هذا العمل الروائي على خط مستقيم، ولا ندخل عالما سرديا مطمئنا. نحن أمام اهتزاز مزدوج، كوترين مشدودين في اتجاهين مختلفين، ثم فجأة، وبطريقة تكاد تكون وجودية، يلتقيان في نغمة واحدة. تُبنى رواية "8,2 ثانية" (8,2 secondes) لمكسيم شاتام على هذا الارتجاف، على هذا السؤال الأولي: كيف يمكن لحياتين منفصلتين، لمسارين لا يلتقيان ظاهريا، أن يتوحدا داخل لحظة زمنية قصيرة، لحظة بالكاد تُلتقط، ثم تغير كل شيء؟

من جهة، نرافق كونستانس، كاتبة سيناريو اختارت العزلة بعد صدمتين متتاليتين أفقدتاها أقرب كائنين إلى قلبها. ليس كوخها مجرد مكان جغرافي، إنه وضع ذهني، حالة وجودية، انسحاب محسوب من العالم. من الجهة الأخرى، نقف إلى جانب ماي، شرطية في نيويورك، جسدها في حركة دائمة، عقلها في سباق مع الزمن، تطارد قاتلا متسلسلا كأنها تخوض ماراثونا بلا خط نهاية واضح. ما الذي يجمع هاتين المرأتين؟ ثغرة زمنية، نبضة، 8.2 ثانية، تلك المسافة الدقيقة التي تتخذ فيها الحياة قرارها، أو تتركنا نظن ذلك.

لا تكتفي الرواية بسرد حكايتين متوازيتين. إنها تشتغل على الزمن بوصفه مادة فلسفية. زمن كونستانس بطيء، كثيف، يثقل بالذاكرة وبالتكرار اليومي: إعداد القهوة، مراقبة الطبيعة، الإصغاء إلى الصمت. هذا البطء لا يمنح الطمأنينة كما قد يوحي في البداية. العكس يحدث. يولّد السكون الشك، وتفتح العزلة شقوقا دقيقة في الإدراك. تفاصيل صغيرة، إشارات شبه غير مرئية، تتراكم وتزعزع ثقة البطلة بحواسها. يُدفع القارئ، معها، إلى منطقة رمادية: ماذا نصدق؟ ما الذي نراه فعلا؟ ألا يشبه هذا ما تحدث عنه بروست حين تصبح الذاكرة قوة خالقة، قادرة على إعادة تشكيل الواقع؟

على الجانب الآخر، تتبدل نبرة النص. مع ماي، تتسارع الجُمل، يتقطع الإيقاع، ويصبح الزمن عدوا مباشرا. ليست نيويورك هنا خلفية محايدة، إنها آلة ضغط، مدينة تُنتج العنف كما تنتج الضوء. يتحول التحقيق الجنائي إلى محاولة يائسة لفرض نظام على الفوضى: جمع الأدلة، تصنيفها، ربطها، ثم الاصطدام بجدران إدارية صماء. تقاس كل خطوة بالثواني. كل تأخير قد يعني جثة إضافية. وهنا يطرح النص سؤالا أخلاقيا مقلقا: كيف يمكن الاستمرار في الإيمان بالإنسان وسط هذا الكم من القسوة اليومية؟

الفقد هو النسيج الحارق في مسار كونستانس. لا تتعامل الرواية معه كحدث منتهٍ، إنما كحالة راهنة، كحضور دائم للغياب. تمر الأيام وهي تحاول السكن داخل خسارتها، تتأرجح بين الرغبة في التلاشي وغريزة البقاء. يفضح الليل هشاشتها، ويفرض النهار عليها الحد الأدنى من الاستمرار. قرارات صغيرة جدا، بالكاد تُلاحظ، تبقيها على قيد الصلة بالعالم. هنا تظهر حساسية شاتام: لا خطاب مباشر، لا استعراض عاطفي، فقط اقتراحات، فراغات، ومساحات يملؤها القارئ بخبرته الخاصة. كأن الكتابة تتحول إلى طقس حداد، إلى طريقة لتحويل الألم إلى ذاكرة قابلة للاحتمال.

اللافت، وربما المربك في إطار رواية تشويقية، هو المكانة المركزية للحب. ليس الحب زخرفة عاطفية، ولا استراحة من التوتر السردي. إنه المحرك الخفي، الخيط الذي يشد الحكايتين معا. عند كونستانس، الحب سؤال مفتوح: هل يمكن السماح لقرب جديد بعد هذا الانهيار؟ أليس الحب، في هذه الحالة، مغامرة غير مضمونة العواقب؟ عند ماي، يأخذ الحب شكلا آخر: كيف نحب حين يطالبنا العمل بأن نكون متاحين جسديا ونفسيا بلا حدود؟ كيف نحمي من نحب من العنف الذي نحمله معنا كل يوم؟

تفكك الرواية فكرة الاختيار. لا قرارات كبرى دائما، أحيانا ثانية واحدة، حركة غير محسوبة، تردد قصير، كفيل بتغيير المسار. الرقم 8.2 يعود كعلامة، كرمز، كتنبيه مستمر إلى هشاشة اللحظة. تدرك الشخصيتان، كل بطريقتها، أن الحب لا يعني الإصلاح، ولا الوعد بالخلاص، إنه قبول المخاطرة، فتح باب للنقص، منح مكان للآخر داخل هشاشتنا الخاصة. تصبح تلك الثواني القليلة مساحة تلتقي فيها الذاكرة بالجسد وبالقلب، ثم يقال نعم، أو يقال لا.

ليست الأماكن في الرواية صامتة. يضخم كوخ كونستانس المشاعر، يعيدها كصدى طويل، يجعل كل خوف أكثر حدة. نيويورك، في المقابل، تفرض ماديتها القاسية، شوارعها، مسارح الجريمة، هواءها المشبع بالتوتر. يتكثف التوتر تدريجيا، ينطوي الواقع على نفسه، إلى أن نجد أنفسنا على حافة هاوية سردية حقيقية.

هناك أيضا لعبة انعكاس ذكية: كونستانس كاتبة، وشاتام يستثمر ذلك لطرح سؤال قديم جديد حول سلطة الخيال. الكتابة وسيلة للنجاة، طريقة لترتيب الفوضى الداخلية. غير أن الخيال قد يتحول إلى فخ، إلى أداة إسقاط، إلى انتقاء غير موضوعي للوقائع. في نيويورك، يؤدي التحقيق وظيفة مشابهة: بناء سردية عقلانية في مواجهة العنف. في الحالتين، الحكاية ضرورة نفسية، وسيلة لتجنب الانهيار.

الأشياء، التفاصيل المادية، تحضر كمرتكزات للمعنى. ليست زينة واقعية، إنها مفاتيح ذاكرة، نقاط تماس مع العالم المحسوس. لا يغرق القارئ في تجريد نفسي صرف، ولكن يبقى مشدودا إلى ملمس الواقع.

تقترح هذه الرواية تجربة مختلفة ضمن مسار شاتام. هناك إحساس واضح بالحاجة إلى قول ما يتجاوز تصنيف النوع الأدبي. حوار صريح بين الحميمي والإجرائي، إصغاء حقيقي للألم، إعادة تفكير في معنى الحب: لا كمرهم، ولا كحل سحري، وإنما كقدرة إنسانية على الانفتاح رغم الخطر.

تبقى العتمة، يبقى الحصار، تبقى نيويورك القاتمة، وتبقى حبكة لا يمكن الإفصاح عنها، خاصة النهاية التي تترك أثرا عميقا. بعد إغلاق الرواية، تستمر تلك الموسيقى الخفية، إيقاع 8,2 ثانية، كنبض يميل بالكفة نحو الحياة. كل تفصيل هنا محسوب، وكل إشارة لها سببها. من يقرأ بانتباه، وبعين مفتوحة، سيختبر مفاجأة: شاتام مختلف، شاتام جريء، وشاتام شديد الإنسانية.