عندما تصبح العاطفة عبئا اقتصاديا في 'أوقات عصيبة'
لم يتشكل توجهي نحو "أوقات عصيبة" للأديب الإنكليزي الكبير تشارلز ديكنز، بدافع الانغماس في متعة الحكاية، ولا نتيجة افتتان بمسار درامي مألوف، لقد انبثق من توتر فكري أحاط بالنص منذ لحظة ظهوره. لا يُفهم ذلك التوتر عبر معايير الذائقة الأدبية وحدها، إذ يستدعي رد الرواية إلى شبكة الأفكار والتحولات التي وُلدت في قلبها. نحن أمام عمل لا يراهن على بطل مأساوي، ولا يبني توتره عبر صراع نفسي تقليدي، حيث ينتقل السرد إلى حقل أشد تجريدا، حقل تتواجه فيه تصورات كبرى للإنسان والمجتمع، ويتحول النص إلى مختبر فلسفي يختبر صلاحية منظومات كاملة للفهم والتفسير.
يفسر هذا المنحى حدة التباين في استقبال الرواية. أنصار التحرر الاقتصادي المطلق، الذين نظروا إلى السوق بوصفه آلية مكتفية بذاتها، قرؤوا العمل باعتباره تعثرا فنيا، وذهب بعضهم إلى تصنيفه في أدنى مراتب إنتاج ديكنز. على الضفة الأخرى، وجد دعاة إخضاع الاقتصاد لمساءلة أخلاقية واجتماعية أن النص يمثّل ذروة وعيه النقدي، وأنه الأكثر صراحة في كشف البنية الذهنية لعصره. يكفي استحضار أسماء مثل جون رسكين في القرن التاسع عشر وبرنارد شو في القرن العشرين لفهم عمق هذا الشرخ التأويلي.
قبل الدخول في البنية الفكرية للرواية، تبرز ضرورة تفكيك اعتقاد شائع يرى أن الأفكار هي التي تمهد دوما للتحولات التاريخية الكبرى. ترسم قراءة التاريخ الاجتماعي مسارا مغايرا؛ فالتحولات المادية غالبا ما تسبق التنظير، ثم تأتي الأفكار لاحقا لتمنح ما حدث لغة شرعية ومعنى مبررا. البرجوازية الأوروبية، على سبيل المثال، لم تتكون نتيجة ثورة لاهوتية، وإنما تشكلت بفعل تبدلات اقتصادية عميقة، ثم احتاجت إلى تصور ديني ينسجم مع موقعها الجديد، فبرز الإصلاح الديني استجابة لحاجة اجتماعية واقتصادية قبل أن يكون مشروعا عقديا خالصا.
ضمن هذا الأفق، يمكن قراءة "أوقات عصيبة" بوصفها مواجهة مباشرة بين فلسفتين. الأولى رؤية إنسانية متجذرة في الضمير الجمعي، تشكلت عبر الأديان والتقاليد الأخلاقية، وتنظر إلى الإنسان باعتباره كائنا متعدد الأبعاد، تجمعه المادة والمعنى، وتفترض أن العدالة والتكافل والمحبة شروط وجودية لا تقل أهمية عن العمل والتنظيم والإنتاج.
في المقابل، تبرز فلسفة الرأسمالية الكلاسيكية كما بلورها آدم سميث في عمله الصادر عام 1776 حول طبيعة ثروة الأمم. في هذا التصور، تتراجع المرجعيات الدينية، وتتقدم لغة السوق، ويعاد تعريف الفعل الإنساني انطلاقا من المصلحة الفردية. هذه المصلحة لا تُقدَّم كمحرك اقتصادي فحسب، إذ تُحمَّل وظيفة تأسيس منظومة قيم جديدة، منفصلة عن أي تصور شامل للإنسان بوصفه كائنا أخلاقيا واجتماعيا.
تتعمق القسوة مع توماس مالتوس عام 1798، حين يعاد تفسير بؤس الفقراء بوصفه نتيجة مباشرة لتكاثرهم مقارنة بالموارد. لا تتجه الحلول المطروحة في هذا الإطار نحو إعادة توزيع الثروة أو إصلاح أنماط الإنتاج، إذ تنصرف إلى ضبط النسل وتأجيل الزواج، مع قبول المجاعات والحروب والأوبئة كآليات تصحيح لا مفر منها. يظهر الفقير وفق هذا المنطق، كعبء دخل إلى العالم دون تفويض اجتماعي.
تعاملت الطبقة الحاكمة البريطانية مع هذه الأطروحات بوصفها معطيات علمية، فترجمتها إلى سياسات هدفت إلى كبح الفئات الفقيرة بدل تمكينها. أُلغي قانون الإعانات عام 1834، وترافق ذلك مع إجراءات قسرية مست النواة العائلية ذاتها. في الوقت نفسه، تصاعد ضغط أرباب العمل، فانخفضت الأجور في صناعة الغزل والنسيج عام 1847، وانتهى إضراب برستون الطويل بين 1853 و1854 بانكسار العمال بعد شهور من المقاومة.
ليست مدينة كوك تاون -مسرح أحداث الرواية- سوى إعادة تشكيل أدبي لمدينة برستون. زار ديكنز المكان خلال الإضراب، ودوّن ملاحظاته في تقرير مطول، ثم أعاد صياغة التجربة في قالب روائي، حيث تتحول الجغرافيا الواقعية إلى رمز مكثف لعالم صناعي خانق، محكوم بالإيقاع الآلي والصرامة الحسابية.
في هذا السياق، يتبلور مذهب المنفعة الذي يختزل السلوك الإنساني في معادلات الربح والخسارة، ويُقصي الأخلاق والدين من أي دور توجيهي فعلي. ينعكس ذلك على التربية والتعليم، حيث يغدو التعلم تدريبا على الأرقام، ويعامل الأطفال كوحدات حسابية، ويحاصر الخيال والفن والحكاية لصالح عقل أداتي جاف.
هكذا تُفتتح الرواية عبر شخصية جرادجريند، مدير المدرسة وعضو البرلمان، الذي لا يرى في المعرفة سوى حقائق رقمية. لا يستدعى الأطفال بأسمائهم، حيث يحل الرقم محل الاسم، في إشارة دالة على محو الفرد لصالح التجريد.
في مواجهة هذا العالم المتصلب، يستدعي ديكنز شخصية سيسي القادمة من فضاء السيرك. هنا تبنى العلاقات على اعتماد متبادل، وتضامن يومي، وشعور جماعي بالأمان لا يتحقق إلا عبر الآخرين. الفقر مشترك، والمخاطر مشتركة، والبهجة المقدمة للجمهور ثمرة عمل جماعي لا يقبل التفكك.
يجسد جرادجريند وباوندربي عقلا باردا أسير الحساب، فيما تمثل سيسي طاقة روحية حية. ومع تطور السرد، تحافظ سيسي على جوهرها، ومع ذلك تنضج وتكتسب حكمة تتجاوز حكمة السياسي ورجل الصناعة. هنا تتكشف دلالة عنوان الكتاب الأول من الرواية: "الزرع". مصير الإنسان لا تحدده المنظومة المفروضة عليه، ولا الأسلوب التربوي وحده، إذ يتعلق بتلك الإمكانية الأخلاقية الأولى الكامنة فيه؛ إن كانت صالحة قاومت أقسى الشروط، وإن كانت فاسدة عجزت أكثر النظم انضباطا عن إصلاحها.
على هذا الأساس، لا يمكن اختزال "أوقات عصيبة" في خطاب عاطفي يدافع عن الفقراء، ولا في هجاء مباشر للرأسمالية، إذ تقدم تشريحا فلسفيا لعصر قرر فهم الإنسان كرقم، ثم اكتشف متأخرا أن الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تنشئ مجتمعا قابلا للحياة.