كُردستان تحت النار وبغداد خارج الخدمة! العراق ومأزق الدولة الغائبة؟
في خضم الحرب الإقليمية المفتوحة ضد إيران، لم يعد السؤال في العراق هو مجرد احتمال وصول النيران إلى المدن، بل أصبح السؤال الأخطر: من سيدفع الثمن الأكبر عندما تهدأ الصواريخ وتتوقف الطائرات المسيّرة عن التحليق؟ الواقع على الأرض منذ اندلاع العمليات العسكرية في أواخر شباط 2026 يوضح أن إقليم كُردستان يقف اليوم على خط تماس مباشر في حرب لم يخترها، لكنه يُحاسَب عليها جغرافياً وسياسياً وأمنياً؟! وهو في الوقت ذاته الإقليم الذي يتحمل العبء الأكبر لمواجهة التهديدات المتعددة، بينما بغداد، الدولة الاتحادية، تتأرجح بين الإدانات الشكلية والعجز العملي عن فرض سيادة الدولة وحماية أراضي الإقليم ومصالحه الحيوية.
أربيل، بعلاقاتها المتوازنة مع الغرب والعرب وثقلها الدبلوماسي والاستثماري، تحولت في نظر طهران وأذرعها المسلحة إلى ساحة ضغط استراتيجية تحمل رسائل مزدوجة: الرسالة العسكرية المباشرة، والرسالة السياسية التي تشير إلى أن أي مساحة عراقية تنفتح على الغرب والخليج وتحتضن رمزية كُردية عابرة للحدود ستكون هدفًا للضغط والتهدئة بالقوة، لا بالشراكة السياسية !!. بين هذه الهجمات والتحديات، ظلّت بغداد عاجزة عن فرض سيادة الدولة، تاركة الإقليم لمواجهة تداعيات غير مسبوقة من هجمات مباشرة على القنصليات الأجنبية والمطارات والقاعدة العسكرية الدولية في منطقة حرير و محيط أربيل.
ومنذ اندلاع الحرب شهدت أربيل سلسلة هجمات مركّزة ومستمرة. بحيث استهدفت صواريخ متوسطة المدى محيط القنصلية الأميركية، وأتبعتها الطائرات المسيّرة بضرب القنصلية الإماراتية في الخامس من مارس، ثم توالت ضربات على قاعدة حرير العسكرية ومواقع أخرى استراتيجية. ولم تقتصر الهجمات على المواقع الدبلوماسية، بل شملت القوات الأميركية والفرنسية المنتشرة، ما أضاف بعدًا دوليًا للأزمة وكشف هشاشة القدرة الاتحادية على حماية الإقليم.
رئاسة وحكومة إقليم كُردستان العراق، أكدوا مرارًا أن بغداد مسؤولة عن وقف هذه الهجمات ومحاسبة منفذيها، وأن أي تقاعس سيضع الإقليم في مواجهة الخطر بمفرده. في هذا السياق، تتضح وظيفة أربيل كخط دفاع أول عن مصالح العراق الدولية، وهي تتحرك بمفردها لتعويض غياب الدولة الاتحادية في حماية السيادة والبعثات الأجنبية، ما يجعلها في الوقت نفسه ساحة اختبار حقيقي لكفاءة الدولة العراقية ومصداقية التزاماتها الدستورية.
الحرب الحالية لم تعد مجرد مواجهة بين إيران وخصومها، بل تحولت إلى اختبار بنيوي للدول الهشة المحيطة بها، والعراق في مقدمتها. العراق أصبح البلد الوحيد تقريبًا الذي يُضرب من طرفي الحرب في الوقت ذاته: إيران وفصائلها تضرب المصالح الأميركية والمواقع الحساسة داخل العراق وكُردستان، والولايات المتحدة ترد أحيانًا على هذه الفصائل داخل الجغرافيا العراقية نفسها. هذه المعادلة تكشف أزمة “تعدد مراكز القرار” داخل الدولة العراقية، ووجود فاعلين مسلحين يتحركون خارج السيطرة أو تحت مظلة الدولة دون انضباط سيادي كامل، مما يجعل العراق أرضًا مفتوحة للتلاعب الإقليمي والدولي على حد سواء.
إقليم كُردستان لم يُستهدف فقط لأنه يضم وجودًا أميركيًا أو تحالفًا دوليًا، بل لأنه يمثل نموذجًا سياسيًا مختلفًا عن البيئة الميليشياوية المسلحة الموجودة في الوسط والجنوب، ويقع على تماس جغرافي مباشر مع إيران، ويحمل رمزية كُردية عابرة للحدود تثير حساسية طهران التاريخية. الرسائل الموجهة نحو أربيل إذن ليست عسكرية فحسب، بل رسائل سياسية مزدوجة: معاقبة فضاء غير منسجم مع مشروع المحور، وتشويه صورة الإقليم بوصفه “المنطقة الآمنة” في العراق، في محاولة لتحويل أربيل إلى بطاقة ضغط إقليمية.
أما بغداد، فإداناتها الرسمية، رغم صدورها، لم تتحول إلى إجراءات فعلية على الأرض. فقد أصدرت بغداد بيانًا في العاشر من آذار/مارس 2026 أدانت فيه الهجمات على البعثات الدبلوماسية والقنصلية في بغداد وأربيل، مؤكدًا التزامها بحمايتها. لكن النتائج العملية كانت مختلفة: القنصليات والمطارات والمواقع المدنية استمرت بالتعرض للهجمات المتكررة، والجهات المنفذة معروفة توجهها السياسي والعقائدي، دون رادع أو محاسبة، ما يجعل الإدانات مجرد إجراءات شكلية لا تعكس القدرة على حماية السيادة. في جوهر الأزمة، بغداد تدين دبلوماسيًا لكنها لا تحتكر السلاح، ولا تفرض هيبة القانون على الفصائل، ولا توفر مظلة سيادية مطمئنة للإقليم أو للبعثات الدولية، وهو ما يجعل الدولة عاجزة عن ترجمة نصوص الدستور إلى واقع ملموس.
وعند قراءة الالتزامات الدستورية، يتبين جزئيًا تنفيذ بعض الواجبات، لكنه فشل واضح في الجوهر، خصوصًا في الملفات المالية والسياسية والتنفيذية. الدستور العراقي لعام 2005 اعترف بالإقليم ككيان اتحادي ومنحه صلاحيات واسعة تشمل التشريع والتنفيذ والقضاء، مع تخصيص حصص عادلة من الإيرادات، وإمكانية وجود مكاتب داخل السفارات لمتابعة الشؤون الثقافية والاجتماعية والإنمائية، ومسؤولية الإقليم عن قواته الداخلية. إلا أن المادة 140، الخاصة بالمناطق المتنازع عليها ككركوك، لم تُنفذ بعد أكثر من عقدين، تاركة جرحًا دستوريًا مفتوحًا وعطّلت معادلة الشراكة بين بغداد وأربيل.
الخلل المالي أكثر وضوحًا، فوفق تقارير حكومية، لم يتسلم الإقليم سوى 41 في المائة من مستحقاته الاتحادية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مع استمرار تأخر الرواتب وتعثر المخصصات الاستثمارية، رغم التزامه بتصدير النفط وتسليم جزء من الإيرادات. وحتى مع تحفظات بغداد على بعض الإيرادات، تظل الحقيقة واضحة: لا يجوز أن تتحول حقوق الموظفين والمتقاعدين والشهداء إلى ورقة ضغط سياسية، خاصة بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا في فبراير 2024 الذي ألزم الحكومتين بضمان دفع الرواتب.
دبلوماسيًا، استثمر الإقليم الفراغ الاتحادي ليبني شبكة علاقات واسعة مع واشنطن، باريس، لندن، برلين، أبوظبي، الرياض، وأنقرة، محولًا وجوده الخارجي من مجرد مكاتب متابعة إلى قوة سياسية حقيقية، تعويضًا عن ضعف بغداد أو ترددها. أما أمنيًا وعسكريًا، فبينما للبيشمركة الحق في حماية الأمن الداخلي، تبقى حماية الأجواء والسيادة الخارجية والردع الاستراتيجي مسؤولية اتحادية بامتياز، وهو ما فشل الاتحاد في تنفيذه، ما يجعل أي هجوم على أربيل أو بعثاتها الأجنبية إخفاقًا مباشرًا للدولة العراقية .
الدبلوماسية الكُردية أثبتت قوتها خلال هذه الفترة، حيث نجحت في تدويل صورة الإقليم بوصفه شريك استقرار، وبناء علاقات مباشرة مع العواصم الفاعلة، وفصل العلاقات مع الغرب عن الانخراط في الحرب، وتقديم خطاب براغماتي واضح: "لن نكون منصة ضد إيران"، مع الحفاظ على الشرعية الأخلاقية والسياسية، مستغلة أي استهداف لتعزيز صورتها أمام المجتمع الدولي.
ومع نهاية الحرب، فإن ما بعد الحرب أكثر خطورة من الحرب نفسها على العراق وكُردستان. السيناريوهات الواقعية تتراوح بين استمرار وقف إطلاق نار هشّ مع بقاء الفصائل المسلحة قوية، إلى تسوية إقليمية تعيد ترتيب العراق داخليًا، أو انهيار إيراني يفتح الباب لصراعات جديدة على الأراضي والموارد.
مصير الإقليم بعد الحرب سيتحدد وفق عناصر رئيسية: قدرة بغداد على فرض الدولة والردع، مدى استمرار الخلاف المالي كأداة ابتزاز سياسي، ونجاح القيادة الكُردية في تحويل مظلوميتها إلى مكسب تفاوضي لصالح حماية الحقوق الدستورية، المالية والأمنية للإقليم. الحرب أثبتت هشاشة العقد الاتحادي، وأكدت أن كُردستان جزء من العراق حين يتعلق الأمر بالضرائب والالتزامات، لكنه يُترك وحيدًا حين يتعلق الأمر بالحماية والردع.
وبينما تقدم بغداد إدانات رسمية، فإن معيار الدولة الحقيقي يكمن في منع الجريمة، محاسبة الجناة، وحماية السيادة. أما كُردستان، فقد أثبتت مرة أخرى أن دبلوماسيتها أكثر حيوية وقدرتها على المناورة الدولية أعلى من قدرة الدولة الاتحادية على إدارة تناقضاتها الداخلية.
وهكذا، يصبح ما بعد الحرب مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين أربيل وبغداد: إما فيدرالية حقيقية تحترم الدستور، تضمن الحقوق المالية، تحمي الإقليم كما تُحمى بغداد، وتنفذ المادة 140، أو أن العراق سيستمر باتحاد اسمي، تتسع فيه الهوة بين المركز والإقليم، ويكبر شعور الكُرد بأن شراكتهم تُطلب عند الحاجة وتُنتقص عند الاستحقاق. وفي السياسة، أخطر ما بعد الحرب ليس عدد الصواريخ، بل عدد الأوهام التي تسقط.