'ميثاق النساء'. ثقب روائي في جدار الطائفة
وصلت رواية "ميثاق النساء" للكاتبة اللبنانية حنين الصايغ والصادرة عن دار الآداب في لبنان عام 2023 إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" عام 2025 هذه الرواية التي اتخذت من أحوال المرأة في المجتمع الدرزي ثيمة لموضوعها حيث تروى بلسان بطلتها "أمل أبو نمر" الفتاة المتمردة على عادات وتقاليد مجتمع طائفتها فاستعملت أساليب مواربة للالتفاف على هذه الموروثات والتحرر منها من أجل أن تنطلق إلى الحياة الحقيقية في بيروت ومنها إلى أوروبا تاركة قريتها ومنعتقة من مجتمعها المتقوقع على نفسه حيث غاصت الكاتبة في روايتها هذه في دواخل البطلة التي تمثل شريحة واسعة من النساء الدرزيات وفق سرد شاعري حينا وتأمليا حينا آخر وقدمتها لغة سلسلة غير متكلفة وتسلسل للأحداث يفضي في النهاية إلى انعتاق منشود فاختلط الذاتي بالعام َاولمتخيل بالواقع فكانت هذه الرواية أشبه بالسيرة الذاتية لكاتبتها ترويها بلسان حالها بين زمنين الحاضر والماضي مستخدمة في بعض أجزائها تقنية الفلاش باك حاضرها هو ماوصلت إليه بعد زواجها و ماضيها مع عائلتها في القرية مشرحة مجتمعا أقليا منغلق على نفسه منذ مايقارب الألف عام فالدخول إلى هذا الدين ممنوع للغرباء والخروج منه معصية وميثاق النساء الذي يحمل عنوان الرواية اسمه هو أحد فصول كتاب الحكمة الكتاب المقدس لطائفة الموحدين الدروز.
امرأة جامحة:
تروى الحكاية قصة "أمل أبو نمر" المرأة الدرزية التي تنتمي لأسرة مشايخ دروز والدها شيخ وجدها شيخ وبرأيهم المرأة خلقت فقط للزواج والقيام بأعمال المنزل وليس للدراسة والعمل لكن هذه العقلية لا تناسب أمل وأختها نيرمين وإن كانت الأخيرة بنسبة أقل فقد اختارت أن تتزوج من جاد الشاب الدرزي القادم من أميركا رغم معارضة أهلها في البداية لاكتشافهم أن جدته مسيحية لكنها تتزوجه رغما عنهم تنفصل عنه لاحقا أما أمل أختها ابنة السبعة عشر عاما فتقبل بالزواج من سالم الذي تقدم لها بشرط أن يسمح لها أن تكمل دراستها في الجامعة فيوافق فيتزوجان وينتقلان إلى بيروت وتسجل في الجامعة الأميركية وهناك تبدأ حياتها الحقيقية وتتعرف إلى العالم و وإلى المدينة التي تراها بعيون أهلها المختلفين عن أبناء قريتها ويشجعها أستاذها خلدون ويأخذ بيدها لكن الزوج يلح عليها كي تنجب طفلا فترفض في البداية ولكنها في النهاية تنجب طفلة تسميها رحمة وليس اختيار هذا الاسم اعتباطيا بل له دلالات كثيرة لم تجدها أمل في مجتمعها وبعد تخرجها تبدأ في العمل وتحب حامد الكاتب الذي تعتبره توأم روحها فيشجعها على الكتابة هي التي تكتب الشعر مثل كاتبة الرواية التي جاءت من عالم كتابة الشعر إلى عالم الأدب في تقاطع بين الشخصيتين وتصدر أمل ديوانا يحمل إسم"فليكن" نفس اسم الديوان الذي أصدرته حنين الصايغ قبل أن تصبح روائية وأمل وحنين درستا الأدب الإنكليزي في الجامعة الأميركية وكلاهما سافرتا إلى ألمانيا لا حقا ما يجعلنا نخمن أن الرواية سيرة ذاتية للكاتبة لامتزاج الخاص بالعام فيها وبعد ثلاثة عشر عاما على استباحة جسدها من زوج لاتحبه وعملتي تلقيح صناعتين تتقرر أمل تركه والانفصال عنه فقد حانت ساعة الانعتاق والركض نحو الحرية فتطلب الطلاق منه فيطلقها دون صعوبات وتبدأ حياة جديدة مع حامد حبيبها الكاتب مثلها رغم أنه من غير دينها.
الجدار:
تقدم الكاتبة في روايتها هذه تشريح للمجتمع الدرزي الذي تنتمي إليه وتضيء على عاداته وتقاليده دون أن تدينه فتعرض قصص رجاله الذين يصبح بعضهم شيوخا من خلال قصة جدها الشيخ الدرزي الذي طلق جدتها زوجته بعد ثلاثون عاما من زواجهم فأصبح محرما عليه أن يردها أو يرى وجهها أو طرف منديلها أو أن يسمع صوتها لذلك بنى جدارا يفصل بين غرفته وغرفتها كان يكلمها خلاله ويقول لها "سامحيني يا أم علي فقد تسرعت" فلاترد عليه لأنه محرم عليها هذا فيطرق على الجدار ثلاث طرقات فترد عليه بمثلهم أي أنها سمعت مايقول وتسامحه وتبقى عمة أمل تحلم كوابيس ترى فيها هذا الجدار الذي بناه والدها يسقط عليها حتى أنه عندما توفي لم تحضر زوجته الجنازة وهذا نموذج من التعقيدات داخل الديانة الدرزية وخصوصا شيوخها الذين يحرم عليهم حضور الاحتفالات والمناسبات العامة فهم ليس كباقي رجال الطائفة فقد اختاروا الدين على الدنيا (من وجهة نظرهم) فنكون اذا أمام مجتمع منغلقا على نفسه وما فعلته أمل بحياتها من خلال تحررها بمثابة ثقب في هذا الجدار الذي بناه هذا المجتمع وميثاق نساؤه الذي كان والدها يقرؤه لأمها كل صباح لتقول أمل عنه في أحد مقاطع الرواية "هو ميثاق النساء الحقيقي. ميثاق من التضامن والفهم والوجع لم يخطه أحد في كتاب. ولم يفرضه أحد على النساء، ميثاق يجعلنا نتواصل ونترابط على بعد آخر. بعد لاعلاقة له بالدين و الثقافة والجغرافيا. نحن متصلات، شيء ما يتحرك في المرأة حين ترى امرأة أخرى تعاني" فكنا إذا أمام ميثاق روائي مميز ومختلف رسخ اسم كاتبته كأديبة جديدة متمكنة في عالم الأدب.