'هوى'.. رواية عن امرأة مأزومة في مجتمع بطريركي لايرحم

رحلة 'إيمان' بين مطرقة الوصمة الاجتماعية لامرأة مطلقة وسندان منظومة فساد مؤسساتي سحقتها ثم لفظتها تننهي بان تجد البطلة حريتها بعيدا عن زيف المال والرفاهية.

عندما تنفصل المرأة عن زوجها في مجتمعنا العربي ويطلق عليها صفة "مطلقة" ينظر إليها أفراد المجتمع الذكوري الشرقي نظرة دونية وتستباح خصوصيتها وكأنها ارتكبت جريمة كبرى فبغض النظر عن الأسباب التي دفعتها لهذا الطلاق - الذي يكون أحيانا لاذنب لها به أي علاقة  فقد يكون زوجها هو الذي تركها - فإنها تبقى في نظر المجتمعات البطريركية مذنبة وموصومة في العار وخصوصا إذا كان لديها أطفال وتظطر أن تكافح لتربيتهم وحدها دون مساعدة الرجل أو الأب في مجتمعات لاترحم وهذه هي قصة إيمان بطلة رواية "هوى" للكاتبة السورية هيفاء بيطار الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون عام 2007.

امرأة مأزومة :

تعيش إيمان في مدينة اللاذقية مدينة الكاتبة نفسها وتعمل ممرضة في أحد المستشفيات الحكومية التابعة لنظام البعث "مشفى القذارة" كما تسميها البطلة التي نبقى طيلة قراءة الرواية نجهل دينها الحقيقي فهذا التباس يؤخذ على الرواية فنتساءل هل هي مسلمة حين تحتفل بعيد الأضحى وتذهب في العطلة الرسمية إلى أحد المقاهي البحرية لتشرب النرجيلة أم أنها مسيحية حين تضع أيقونة السيدة العذراء تحت وسادتها في السرير الذي تنام عليه في الغرفة القديمة التي أعطاها إياها والديها بعد أن تطلقت وعادت إليهم هي وابنها الصغير.

لكننا الذي نعرفه جيدا أنها امرأة مسحوقة ومذلة ومهانة والخمسة آلاف ليرة سوري - مئة دولار في حينها - بالكاد تكفيها ثمن طعام هي وابنها وهذا حال زميلاتها الممرضات - في المستشفى التي تعمل به- الذين يجتمعون كل يوم في الصباح يأكلون البطاطا المسلوقة على الفطور من شدة فقرهم فلكل واحدة منهن قصتها ومصيبتها التي ترويها لنا إيمان بصوتها فهي الراوي العليم في هذه الرواية مع تدخل صوت الكاتبة أحيانا.

الفقر والحاجة المدقعة يدفعان إيمان للتورط في الفساد رغما عن أنفها وإلا كيف ستحقق لابنها أبسط متطلباته نعم هكذا كان نظام البعث يريد لموظفيه أن يكونوا فجعلهم جميعهم مثله فاسدين فإما أن تسرق المال العام أو أن تعيش فقيرا مسحوقا وهذا ما حصل مع إيمان التي قررت أن تحسن وضعها المادي ولاسبيل لها سوى الانخراط في منظومة الفساد في المستشفى الذي يديرها رجل متنفذ من خارج المستشفى ولانعرف عنه سوى أنه وسيط يأخذ المسروقات من إيمان ويعطيها مبالغ زهيدة مقابل أن تحضر له الخيوط الجراحية في البداية إلى أن تصبح هذه المسروقات أكبر بعد أن تترفع إيمان في منصبها وتصبح رئيسة قسم الممرضات في المستشفى وتصبح غرفة العمليات تحت إشرافها فيطلب منها سرقة المباضع الجراحية في البداية فستجيب فيرتفع دخلها المادي الأمر الذي يسعدها كثيرا ويجعلها تنغمس أكثر فأكثر في السرقة فالمال مغر ولا أحد يدقق في المستشفى فالكل فاسدون والدولة ذات نفسها فاسدة إلى أن يصل  الأمربقاسم مشغلها أن يطلب منها تسهيل سرقة جهاز التخدير في المستشفى الذي وصل  إليها حديثا واستبداله بجاز آخر معطل لينقله إلى مستشفى خاص له حصة فيه فتقبض مبلغا كبيرا يساعدها على دفع أول قسط لمنزل في جمعية سكنية  لكي يصبح لها منزلها الخاص هي وابنها كي ترتاح من الذل الذي تشعر به في منزل أهلها وتتحرر منهم لكنها لاتعرف أن هذا المنزل سيكون ثمن براءتها ذات يوم حين يكتشف أمرها وتسجن ويتبرأ منها قاسم شريكها وهنا تكون الذروة في الرواية التي تسير في بناء متصاعد للأحداث والذروة في حياة إيمان فكل شيء كانت تتوقعه  إلا هذا الشيء فبعد أن مرت سرقاتها بسلام لفترة طويلة واستطاعت شراء المنزل وتحسن وضعها المادي تم اكتشاف أمرها والتضحية بها وحدها وإلباسها القضية وتنصل مشغلها المتنفذ وشركاؤه فتدخل إيمان إلى السجن وتكون الفضيحة وهذه هي الفضيحة الثانية في حياة هذه المرأة الساذجة فالأولى كانت حين أحبت شابا ثريا ودخلت في علاقة غرامية معه في العلن وتركها وتزوج غيرها فنبذها مجتمعها الضيق ونعتها بالعاهرة والآن ستصبح في نظرهم السارقة ناهبة المال العام المنهوب أصلا فيخبرها المحامي أن القاضي يبرؤها إذا أخذ مليون ليرة سوري وفي تلك الفترة كان هذا المبلغ كبيرا ويشتري منزلا في سوريا وبالفعل هذا ما حدث فتقوم بالتنازل عن البيت الذي امتلكته في الجمعية السكنية للقاضي الفاسد كي يطلق سراحها والذي قدر محاميها ثمنه بمليون ليرة سوري وتخرج إيمان من السجن وتطلب نقلها إلى أحد مستوصفات الضواحي فلم تعد تستطيع أن تواجه رفيقاتها في مستشفى القذارة بعد أن عرفوا حقيقتها فأصبحت في نظرهم السارقة الفاسدة  فقد خدعوا بها فكان هذا العار فوق استطاعة تحملها وتبدأ حياة جديدة في هذا المستوصف وتعود لنقطة الصفر ماديا لكن تجربتها تجعلها تتصالح مع ذاتها ومع واقعها وتتقبله برضى.

صدفة غيرت حياتها :

لا تبقى إيمان على حالها فالقدر يقرر أن يبتسم لها  ذات يوم وهي مسافرة إلى الأردن ويضع في طريقها ذلك العجوز أحد قادة الحزب الشيوعي في العالم العربي الذي يتعرف عليها على الحدود الأردنية السورية بعد أن تم منعها من عبور الحدود لأنها لا تملك تصريح مغادرة من مكان عملها فيصطحبها معه إلى دمشق وينزلها في فندق فخم ويتعرف عليها وتبدأ صداقة بينهم وتستمر حتى بعد عودته إلى الولايات المتحدة الأميركية وعودتها هي إلى اللاذقية إلى أن تقرر أن تتزوج ذلك العجوز السبعيني العنين والمصاب بالسرطان كي تتخلص من فقرها المادي وتأمن حياة كريمة لابنها وتنتقل لتعيش معه في بيروت فتستلذ بطعم العيش المرفه وتحب مدينة بيروت وتتعلق بها رغم تعاستها مع هذا العجوز المتكبر البخيل الذي لم يعطها شيئا مقابل قبول شابة مثلها بالزواج منه رغم معرفتها أنه عاجز إلى أن تقرر ذات يوم أن تواجهه وتطلب منه أن يؤمن عليها ماديا فيرفض فتتركه هو وثروته وتقايض حريتها بحياة الرفاهية وتعود إلى مدينتها اللاذقية والعيش مع ابنها وكعادتها ولطيبة قلبها عادت من هذه الزيجة إلى نقطة الصفر ماديا لكن حريتها وانعتاقها وقربها من ابنها حب حياتها لاتعادله ثروات الأرض كلها هذا ماتؤكده لنا الكاتبة هيفاء بيطار في نهاية روايتها الواقعية الشيقة هذه التي شرحت بها جزء من المجتمع السوري وعرت فيها منظومة الفساد في مؤسسات النظام المجرم الذي كان يحكم الدولة والمجتمع  قبل ثورة الشعب السوري عليه عام 2011.