تقرير بريطاني: حلفاء إيران يقفزون من "السفينة الغارقة'

تراجع النفوذ الإيراني ليس مجرد نتيجة لضغوط خارجية فحسب، بل هو نتاج إدراك داخلي لدى حلفاء طهران بأن الغطاء الذي توفر لعدة عقود قد تمزق نهائياً.

بغداد - تشير تقارير دولية متواترة إلى أن النفوذ الإيراني في المنطقة يمر بواحدة من أحلك فتراته التاريخية، وسط تحليلات تذهب إلى حد الجزم بأن "القبضة الفولاذية" التي فرضتها طهران على العواصم الإقليمية، وفي مقدمتها بغداد، بدأت تترنح تحت وطأة ضغوط مزدوجة تشمل تهديدات عسكرية أميركية مباشرة بقيادة إدارة دونالد ترمب، واستنزافا بنيويا داخليا وخارجيا للنظام الإيراني.

ويرى محللون، ومنهم ريناد منصور الباحث في "تشاتهام هاوس"، أن النخبة السياسية في العراق بدأت تستشعر الخطر الوجودي. ويؤكد منصور أن المسؤولين العراقيين الذين شكلوا يوماً ما "أذرعاً" صلبة لطهران، باتوا ينظرون إليها اليوم كـ"سفينة غارقة".

ولا يعتبر هذا التحول أيديولوجياً بقدر ما هو براغماتي مصلحي؛ فالقوى السياسية العراقية التي استفادت من المظلة الإيرانية تدرك الآن أن بقاء نفوذها ومكتسباتها الاقتصادية مرهون بالاستقرار، وأن التضحية بهذا الاستقرار من أجل نظام إيراني متهالك لم يعد خياراً عقلانياً أو جذاباً.

وفي خضم هذا التراجع، برزت مؤشرات قوية على تغير "قواعد الاشتباك" السياسي في بغداد، وتحديداً في ملف اختيار رئيس الوزراء القادم. ويشير الباحث مايكل نايتس إلى أن حالة عدم اليقين بشأن "استمرارية" القيادة الإيرانية الحالية دفعت الفاعلين العراقيين – حتى المقربين من طهران – للبحث عن شخصية "تكنو - سياسية" تحظى بقبول الغرب والمحيط العربي، في محاولة لفك الارتباط بمصير طهران المجهول.

ويمثل احتمال لجوء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الخيار العسكري "نقطة تحول جوهرية" في الصراع. فالنظام الذي أنهكته الضربات المنسقة ضد منشآته الحيوية خلال العام الماضي، يواجه اليوم تحدياً وجودياً غير مسبوق.

وفي هذا السياق، ينقل تقرير لمركز "تشاتهام هاوس" البريطاني عن المحلل غالب دالاي رؤية مفادها أن هواجس قادة المنطقة تغيرت جذرياً؛ إذ لم يعد القلق محصوراً في "التمدد الإيراني"، بل أصبح يتركز على "الفوضى الكارثية" التي قد تنجم عن احتمال انهيار الدولة الإيرانية وتفتت مؤسساتها الأمنية.

بدورها تحذر الباحثة بينتي شيلر من "رد فعل جريح" في حال استشعرت طهران دنو "نهاية اللعبة". وتطرح شيلر سيناريوهات قاتمة تشمل تحويل الدول التي تستضيف قواعد أميركية إلى "ساحات تصفية حسابات"، والعودة للتهديد التقليدي بإغلاق مضيق هرمز، وهي ورقة "شمشون" التي قد تلجأ إليها طهران لخنق الاقتصاد العالمي وتدويل الأزمة.

ويرى التقرير أن تراجع النفوذ الإيراني ليس مجرد نتيجة لضغوط خارجية فحسب، بل هو نتاج إدراك داخلي لدى حلفاء طهران بأن "الغطاء" الذي توفر لعدة عقود قد تمزق نهائياً.

ويمكن القول إن هذا الانحسار يمثل "حجر الدومينو" الأول في سلسلة تراجعات ستعيد رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط. وفي ظل هذا المشهد، تبرز "الدبلوماسية الوقائية" كملاذ أخير لدول المنطقة الساعية لتجنب الشظايا الناتجة عن الانهيار المحتمل لهذا النفوذ، والانتقال من حقبة المحاور السياسية إلى حقبة توازن المصالح والنجاة.