ليالي النار في الشرق الاوسط: من الحرب بالوكالة إلى المواجهة المفتوحة ؟
لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل من جهة، وايران ومحورها الإقليمي من جهة أخرى، مجرد حرب ظلّ أو صراع عبر الوكلاء. المنطقة تقف اليوم أمام مواجهة مباشرة تحمل في طياتها أبعادًا عسكرية واستراتيجية واقتصادية غير مسبوقة منذ عقود. إنها ليست حرب جبهات تقليدية، بل صراع إرادات طويل النفس، تتداخل فيه الصواريخ الدقيقة مع الحسابات السياسية، والردع النووي غير المعلن مع ضغوط الشارع الداخلي، والتحالفات الدولية مع حسابات أسواق الطاقة.
هذه الحرب لا تُخاض فقط في السماء عبر طائرات الشبح والصواريخ الباليستية، بل تُدار أيضًا في غرف العمليات الاستخباراتية، وفي الأسواق المالية، وعلى شاشات الإعلام، وداخل العواصم التي تخشى أن تتحول إلى ساحات اشتباك غير مباشر. ولذلك فإن فهمها يتطلب قراءة عميقة لموازين القوة، ولمعادلات الردع، ولمدى قدرة كل طرف على الصمود في حرب قد تطول أكثر مما يتوقعه كثيرون.
من منظور استراتيجي، تراهن واشنطن وتل أبيب على تفوقهما العسكري النوعي. فالآلة العسكرية الأميركية، الممتدة بقواعدها في الخليج والبحر المتوسط، تمتلك قدرة هائلة على توجيه ضربات دقيقة وعميقة، مدعومة بتكنولوجيا استخباراتية متقدمة وقدرات سيبرانية فائقة. أما إسرائيل، فقد بنت خلال العقود الماضية عقيدة عسكرية تقوم على الضربات الاستباقية، والتفوق الجوي، ومنظومات دفاع صاروخي متعددة الطبقات. هذا التفوق يمنح المعسكر الغربي قدرة على إلحاق أضرار جسيمة بالبنية العسكرية الإيرانية في المدى القصير.
لكن التفوق التقني لا يعني الحسم السريع. فإيران لا تقاتل بعقيدة تقليدية، بل بمنطق “الاستنزاف المركب”. ترسانة الصواريخ الباليستية والمسيّرات، وانتشار الحلفاء في أكثر من ساحة عربية، يمنحان طهران قدرة على فتح جبهات متعددة، ما يجعل أي حرب ضدها مكلفة وطويلة. وهي تدرك أن ميزان القوى لا يسمح لها بمواجهة كلاسيكية مباشرة، لذلك تراهن على تشتيت الخصم، ورفع كلفة الحرب، وإطالة أمدها حتى يتحول الضغط العسكري إلى عبء سياسي على خصومها.
السؤال الجوهري يتمثل في مدى قدرة إيران على الصمود. داخليًا، تعاني البلاد من ضغوط اقتصادية وعقوبات مزمنة وتململ اجتماعي. غير أن التجارب السابقة أظهرت أن التهديد الخارجي غالبًا ما يدفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة، ولو مؤقتًا. قدرة النظام الإيراني على ضبط الإيقاع الداخلي ستعتمد على عاملين: حجم الخسائر العسكرية والاقتصادية، ومدة الحرب. فإذا تحولت المواجهة إلى صراع طويل ينهك الاقتصاد ويعطل البنية التحتية، فقد تتزايد احتمالات الاحتقان الداخلي. أما إذا بقيت ضمن إطار ضربات محدودة ومتبادلة، فقد تتمكن طهران من احتواء الهيجان الشعبي عبر تعبئة وطنية وإجراءات أمنية مشددة.
في المقابل، لا يخلو المعسكر الأميركي-الإسرائيلي من نقاط ضعف. فالحرب الطويلة ليست خيارًا مريحًا لواشنطن، خاصة في ظل حساسيات الرأي العام وتكاليف الانتشار العسكري. كما أن أي هجمات ناجحة على قواعد أميركية في الخليج أو على العمق الإسرائيلي ستفرض ضغوطًا سياسية وأمنية كبيرة. كذلك فإن أسواق الطاقة والملاحة في مضيق هرمز تمثل ورقة ضغط استراتيجية بيد إيران، إذ يكفي اضطراب محدود فيها لرفع أسعار النفط وإرباك الاقتصاد العالمي.
وعند مقارنة هذه المواجهة بما حدث في حرب الخليج الثانية، المعروفة باسم عملية عاصفة الصحراء، تتضح فروقات جوهرية. في عام 1991، واجه تحالف دولي واسع، مكوّن من 33 دولة، جيشًا عراقيًا متمرسًا في الخبرة والعقيدة القتالية، لكنه خاض معركة شبه كلاسيكية ذات أهداف واضحة ومحددة، وهي إخراج القوات العراقية من الكويت، في وقت شن فيه التحالف الدولي بمعدل يقارب 1200 غارة جوية يوميًا على أهداف عراقية في الكويت والعراق.
ومع ذلك، تمكن العراق من الصمود والدفاع لمدة 42 يومًا، وقد نجحت قواته في إسقاط عدد من الطائرات المعادية والمشاركة في القتال الجوي، رغم التفوق الجوي الحاسم لقوات التحالف. كما لم يتعرض الرئيس العراقي الاسبق صدام حسين والقادة العسكريون والأمنيون الكبار للرصد أو القتل أو الاستهداف، على عكس الإيرانيين الان و في الحرب السابقة، والذين لم يستطيعوا الصمود أكثر من 12 يومًا أمام دولتين فقط، وتعرض أعلى هرم السلطة وكبار القادة الأمنيين والعسكريين للإبادة، وفشلت طائراتهم في التحليق، كما فشلت دفاعاتهم الجوية في التعامل مع الأهداف والطائرات المعادية أو إسقاطها.
وعلى الرغم من الانهيار النسبي للبنية العسكرية العراقية نتيجة القصف الصاروخي المركز وكثافة الغارات الجوية وافتقار العراق إلى غطاء جوي متكامل، ومع ذلك، عكست هذه الأحداث قدرة الدفاع العراقي والقوة القتالية لديهم، وخاصة ألوية الحرس الجمهوري، وتكبيدهم لقوات التحالف خسائر فادحة، أثناء الهجوم البري في معركة ( كيس الموت ) وكفاءتهم العالية في الصمود والتكيف في مواجهة الظروف القاسية والمعقدة .
أما اليوم، فالمواجهة ليست ضد جيش متمركز في صحراء مفتوحة كما في الكويت، بل ضد دولة طورت تقنية دفاعية غير متناظرة، تعتمد على الانتشار، والتحصين، والضرب عبر وكلاء، واستخدام الصواريخ بعيدة المدى. لذلك فإن تكرار سيناريو الحسم السريع يبدو أقل احتمالًا .
أما مدة الحرب، فستتوقف على طبيعة أهدافها. إذا كان الهدف الغربي هو توجيه ضربات ردعية محدودة، فقد تبقى الحرب قصيرة نسبيًا، تنتهي بوقف إطلاق نار غير معلن. أما إذا تحولت إلى محاولة شاملة لإضعاف البنية العسكرية الإيرانية أو تغيير سلوك النظام جذريًا، فإنها قد تمتد لأشهر في صورة حرب استنزاف إقليمية. في هذا السيناريو، سيكون عامل الوقت سلاحًا ذا حدين: يرهق إيران اقتصاديًا، لكنه في المقابل يضغط على خصومها سياسيًا ويعرض مصالحهم الإقليمية لهجمات متكررة.
المفاجآت المحتملة لا تقتصر على الصواريخ أو العمليات الخاصة، بل قد تشمل ساحات جديدة للصراع، سواء في الفضاء السيبراني أو عبر تعطيل الملاحة والطاقة أو تحريك جبهات بعيدة جغرافيًا عن مسرح المواجهة المباشر. كلا الطرفين يحتفظ بأوراق غير مكشوفة، لأن منطق الردع يقتضي الغموض.
في المحصلة، نحن أمام صراع لا يُقاس فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ، بل بقدرة كل طرف على تحمل الألم وإدارة الزمن. التفوق العسكري يمنح واشنطن وتل أبيب اليد العليا في الضربات الدقيقة، لكن القدرة على الصمود والمناورة الإقليمية تمنح طهران أوراقًا لا يمكن تجاهلها. والنتيجة النهائية لن تتحدد فقط في ميدان المعركة، بل في قدرة كل معسكر على إدارة الضغوط الداخلية، وحشد الحلفاء، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بأكملها .