من عاصفة الصحراء إلى عنان طهران.. توازن الرُعب في الشرق الأوسط

الحرب لا تبدو في طريقها إلى حسم قريب؛ فهي أقرب إلى صراع طويل منخفض الحدة يتخلله انفجار دوري، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة مدمرة.

يبدو أن طبيعة التحديات أمام واشنطن في الشرق الأوسط قد تغيرت؛ فحرب "عاصفة الصحراء" عام 1991 كانت محدودة جغرافيًا وتعتمد على الضربات الجوية والبرية الدقيقة، بينما الصراع الحالي يمتد من إيران إلى وكلائها في لبنان واليمن والعراق، ويشمل صواريخ بعيدة المدى، وهجمات سيبرانية، وضغوطًا اقتصادية، ما يجعل المواجهة أكثر تعقيدًا وخطورة، وتستدعي استراتيجيات أكثر دقة وحذرًا لتجنب تصعيد شامل يهدد استقرار المنطقة والعالم.

انتقل الصراع بين إيران ومحورها من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، من ساحات الوكلاء المحدودة إلى فضاء إقليمي متشابك تتداخل فيه الجغرافيا بالعقيدة، والردع بالثأر، والاقتصاد بالسياسة. لم تعد المواجهة مجرد ضربات محسوبة ضد وكلاء إيران أو عمليات استخبارية خفية، بل أصبحت شبكة اشتباكات ممتدة من غزة ولبنان إلى العراق والبحر الأحمر، تتخللها هجمات سيبرانية وضربات دقيقة وصواريخ بعيدة المدى، فيما تتجنب الأطراف -حتى اللحظة- الانزلاق إلى حرب شاملة مباشرة بين الطرفين.

زلزال طهران: رأس النظام في مرمى الضربات

اغتيال القمة شكّل منعطفًا غير مسبوق في مسار الصراع، بعدما أعلنت طهران رسميًا مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي إثر ضربة استهدفت موقعًا أمنيًا في محيط العاصمة. هذا الإعلان، الذي بثته وسائل الإعلام الإيرانية نفسها، نقل المواجهة إلى مستوى غير مسبوق؛ إذ لم يسبق منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 أن تعرض رأس النظام للاستهداف المباشر في سياق حرب إقليمية مفتوحة. مقتل خامنئي لا يمثل مجرد خسارة شخصية قيادية، بل زلزالًا سياسيًا وعقائديًا يطال بنية النظام، ويطرح سؤال الخلافة والتوازن داخل مجلس الخبراء والحرس الثوري، ويهدد بإعادة رسم ملامح السلطة في طهران.

كما أن الحدث يحمل بعدًا رمزيًا عميقًا؛ إذ قد يُحوَّل داخليًا إلى سردية تعبئة وثأر، ما يزيد احتمالات التصعيد بدل التهدئة. إن استهداف القيادات العليا، سواء عبر ضربات جوية أو عمليات استخبارية، يعكس انتقال الصراع إلى مستوى يمس عمق الدولة وهيبتها، ويضع القيادة الإيرانية أمام تحدي الحفاظ على تماسكها الداخلي ومنع تصدع منظومة الحكم.

شبكة وكلاء إيران تشعل العراق واليمن ولبنان

تعتمد إيران على استراتيجية "تعدد الجبهات" عبر شبكة حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم حزب الله في لبنان، وحركة أنصار الله في اليمن، وفصائل مسلحة عراقية منضوية ضمن الحشد الشعبي. هذه القوى لعبت دور رأس الحربة في الضغط على المصالح الأميركية والإسرائيلية، سواء عبر استهداف قواعد عسكرية، أو تهديد الملاحة في البحر الأحمر، أو إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة. في العراق، شكلت الهجمات على محيط أربيل، بما في ذلك القنصلية الأمريكية ومطار أربيل الدولي، مؤشرًا على هشاشة التوازن الداخلي العراقي.

مضيق هرمز على شفير الانفجار

اقتصاديًا، يبقى شريان الطاقة العالمي في قلب المعادلة؛ فأي تصعيد واسع في مضيق هرمز أو توسع في استهداف السفن في البحر الأحمر ينعكس فورًا على أسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية. الأسواق تتحرك على وقع التصريحات العسكرية بقدر تحركها على وقع الصواريخ، ما يعني أن الحرب ليست عسكرية فحسب، بل هي اختبار لقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمات. إن ارتفاع الأسعار أو تعطل الإمدادات قد يدفع قوى دولية كبرى إلى التدخل دبلوماسيًا لاحتواء الانفجار حمايةً لمصالحها الحيوية.

التفوق الغربي يواجه صواريخ إيران

تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقًا نوعيًا في مجالات الاستخبارات، والتفوق الجوي، وأنظمة الدفاع الصاروخي، والقدرات السيبرانية. الضربات الإسرائيلية الدقيقة في إيران، والقدرة الأمريكية على نشر حاملات الطائرات وأنظمة الدفاع المتقدمة في الخليج، تعكس ميزان قوة تقني يميل لصالح التحالف الغربي. غير أن إيران عوّضت هذا الفارق عبر تطوير ترسانة صاروخية وباليستية كبيرة، واستثمار مكثف في الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة وعالية الفاعلية، ما يمنحها قدرة على إغراق الخصم بوابل من الأهداف يصعب اعتراضها جميعًا.

روسيا والصين: مراقبون أم متفرجون؟

موسكو المنخرطة في حرب أوكرانيا ترى في استنزاف واشنطن في الشرق الأوسط مصلحة غير مباشرة، لكنها لا ترغب في مواجهة مباشرة جديدة. وبكين، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج وإيران، تفضّل الاستقرار وتدفع نحو تهدئة تضمن استمرار تدفق الطاقة، مع الاستفادة من توسيع نفوذها الاقتصادي. كلاهما يدعمان طهران سياسيًا بدرجات متفاوتة، لكنهما يتجنبان الانخراط العسكري المباشر.

الخليج بين القلق العسكري والأمن الاقتصادي

دول الخليج تتحرك بين هاجس الأمن ورغبة الاستقرار؛ فهي تخشى أن تتحول أراضيها إلى ساحات رد متبادل، لكنها في الوقت نفسه ترى في كبح النفوذ الإيراني هدفًا استراتيجيًا طويل الأمد. لذلك تميل سياساتها إلى تعزيز الدفاعات الجوية وتكثيف التنسيق الأمني، مع إبقاء قنوات التواصل الدبلوماسي مفتوحة لتفادي الانفجار الشامل.

الكُرد والشيعة والسنة بين الخرائط القديمة والجديدة

في العراق، يظل مستقبل الكُرد والشيعة والسنة مرتبطًا بمدى تماسك الدولة الإيرانية واستمرار نفوذها. أي إضعاف جذري للنظام في طهران قد يعيد رسم موازين القوى داخل العراق، ويخلق فراغًا تتنافس عليه قوى محلية وإقليمية، ما قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية أو إعادة ترتيب التحالفات.

الشرق الأوسط على صفيح ساخن

في المحصلة، لا تبدو الحرب في طريقها إلى حسم قريب؛ فهي أقرب إلى صراع طويل منخفض الحدة يتخلله انفجار دوري، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة مدمرة. قوة التحالف الأمريكي الإسرائيلي تكمن في التفوق العسكري والاقتصادي والتحالفات الواسعة، وضعفه في حساسية الرأي العام والخشية من حرب إقليمية مكلفة. أما قوة إيران فتكمن في شبكة وكلائها وعمقها الجغرافي وقدرتها على الصمود تحت الضغط، بينما يكمن ضعفها في هشاشتها الاقتصادية وتحدياتها الداخلية. وبين هذين المسارين، يبقى الشرق الأوسط معلقًا على حافة توازن دقيق، قد يصمد طويلًا، وقد ينهار بضربة واحدة تغير شكل المنطقة لعقود قادمة.