كُردستان.. أرضٌ مُحايدة وسماءٌ مثقلة بالصواريخ والمسيّرات
لم يعد الشرق الأوسط يعيش فقط تحت ظلال التوترات التقليدية التي اعتادها منذ عقود، بل يقف اليوم عند حافة مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع الصراعات الإقليمية في مشهد يكاد يختزل تاريخ المنطقة المضطرب، فالتصعيد العسكري المتسارع بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لم يعد مجرد جولة جديدة من المواجهات المحدودة أو حرب رسائل عبر الوسطاء، بل أخذ يتطور تدريجياً نحو نمط من المواجهة المفتوحة التي تحمل في طياتها احتمالات الانفجار الإقليمي الواسع.
فالضربات الجوية المتبادلة، وتكثيف القصف الصاروخي، واستخدام الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، كلها مؤشرات على أن قواعد الاشتباك التي حكمت الصراع خلال السنوات الماضية بدأت تتآكل. لقد تحولت المنطقة إلى مسرح عمليات متداخل الجبهات، حيث لم تعد الحدود الجغرافية التقليدية قادرة على احتواء الصراع أو الحد من امتداداته.
من منظور طهران، فإن المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة ليست مجرد صراع عسكري تقليدي، بل هي جزء من معركة أوسع تتعلق بتوازن القوى في الشرق الأوسط. إيران ترى نفسها في موقع الدفاع الاستراتيجي عن نفوذ بنته على مدى عقود عبر شبكة معقدة من الحلفاء والقوى المسلحة المنتشرة في عدة دول. ولذلك فإن الرد الإيراني، سواء كان مباشراً أو عبر هذه القوى، يأتي في إطار محاولة الحفاظ على هذا التوازن ومنع خصومها من فرض معادلة ردع جديدة تقوض نفوذها الإقليمي.
أما إسرائيل، التي تنظر إلى القدرات العسكرية الإيرانية وبرنامجها الصاروخي ونفوذها المتزايد في المنطقة باعتبارها تهديداً وجودياً طويل الأمد، فقد اختارت استراتيجية تقوم على توجيه ضربات مركزة تهدف إلى إضعاف هذه القدرات ومنع تحول إيران إلى قوة قادرة على فرض معادلات ردع متكافئة. وفي هذا السياق، تلعب الولايات المتحدة دور الداعم العسكري والسياسي الرئيسي، سواء عبر توفير الغطاء الاستراتيجي لإسرائيل أو عبر المشاركة المباشرة وغير المباشرة في عمليات الردع والضغط.
لكن ما يضفي على هذه المواجهة طابعاً بالغ الخطورة هو احتمال اتساع نطاقها الجغرافي. فإيران لوّحت مراراً بإمكانية توسيع دائرة الصراع لتشمل مناطق حيوية في الخليج العربي، سواء عبر استهداف القواعد العسكرية أو البنية التحتية للطاقة أو حتى خطوط الملاحة الدولية. ومثل هذا السيناريو لا يعني فقط انخراط دول الخليج بشكل مباشر في المواجهة، بل يهدد أيضاً أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
فمنطقة الخليج والبحر الأحمر تمثلان محوراً أساسياً لحركة الطاقة والتجارة الدولية، وأي اضطراب كبير فيهما قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية واسعة. ولهذا السبب تراقب العواصم الكبرى في العالم هذا التصعيد بقلق بالغ، لأن استمرار الحرب أو توسعها قد يضع النظام الاقتصادي الدولي أمام اختبار صعب في وقت يعاني فيه أصلاً من أزمات متراكمة.
وفي موازاة ذلك، تبرز محاولة إسرائيل والولايات المتحدة توسيع دائرة التحالفات الدولية الداعمة لهما في هذه المواجهة. فالدفع نحو دور أكبر لحلفاء الغرب، وربما إشراك دول من حلف شمال الأطلسي بشكل مباشر أو غير مباشر في عمليات الردع أو الدعم اللوجستي والعسكري، يشير إلى أن المعركة لم تعد تُنظر إليها فقط كصراع إقليمي، بل كجزء من معادلة أمنية أوسع تتعلق بموازين القوة العالمية.
غير أن الحسابات الاستراتيجية الكبرى غالباً ما تتجاهل حقيقة أن هناك دولاً ومناطق عديدة تجد نفسها عالقة في قلب هذا الصراع دون أن تكون طرفاً فيه. ومن أبرز هذه المناطق إقليم كُردستان العراق، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى هدف متكرر للصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطلقها إيران أو بعض الفصائل المسلحة المرتبطة بها داخل العراق.
الإقليم، الذي حاول خلال السنوات الماضية الحفاظ على حالة من الاستقرار والأمان والإعمار والتعايش السلمي مقارنة بمحيطه المضطرب، يجد نفسه اليوم في مرمى النيران رغم أنه لا يمتلك دوراً مباشراً في هذه الحرب. فالموقع الجغرافي والسياسي للإقليم جعله ساحة غير مباشرة لتصفية الرسائل العسكرية والسياسية بين أطراف الصراع، وهو واقع يضعه أمام تحديات أمنية وسياسية معقدة.
أما داخل العراق، فقد كشف هذا التصعيد عن انقسام واضح في المواقف السياسية، خصوصاً داخل القوى الشيعية. فهناك جناح يمثله عدد من فصائل الحشد الشعبي التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، وتتبنى خطاباً سياسياً وعسكرياً منسجماً مع توجهات طهران الإقليمية. هذه الفصائل ترى في الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة جزءاً من معركة أوسع تتجاوز حدود العراق.
في المقابل، هناك توجه آخر داخل الدولة العراقية، تمثله الحكومة العراقية ومعها القوى الكُردية وغالبية القوى السنية، يدعو إلى ضرورة النأي بالعراق عن هذه المواجهة. فهذه الأطراف تدرك أن تحويل العراق إلى ساحة حرب جديدة لن يخدم مصالحه الوطنية، بل قد يجر البلاد إلى دوامة جديدة من العنف وعدم الاستقرار، في وقت لا يزال فيه العراق يواجه تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة.
ومن هنا تحاول بغداد تبني سياسة تقوم على مبدأ التوازن الحذر، أو ما يمكن تسميته بسياسة “مسك العصا من الوسط”. فهي من جهة لا ترغب في الدخول في مواجهة مباشرة مع الفصائل المسلحة القريبة من إيران، ومن جهة أخرى تسعى إلى الحفاظ على علاقاتها مع المجتمع الدولي ومنع انزلاق العراق إلى قلب الصراع الإقليمي.
وفي خضم هذه التعقيدات، تتزايد التساؤلات حول الاستراتيجية التي تعتمدها الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه الحرب. فهل الهدف هو مجرد احتواء إيران وإضعاف قدراتها العسكرية؟ أم أن هناك رؤية أوسع تسعى إلى إحداث تغيير جذري في موازين القوى الإقليمية وربما الضغط على النظام الإيراني إلى حد إضعافه أو دفعه إلى تقديم تنازلات استراتيجية كبرى؟
لكن في المقابل، تدرك واشنطن وتل أبيب أن إطالة أمد الحرب قد يحمل مخاطر سياسية داخلية كبيرة. فالرأي العام في الولايات المتحدة وإسرائيل لا ينظر بعين الرضا إلى الحروب الطويلة والمكلفة، خاصة إذا لم تحقق نتائج واضحة وسريعة. كما أن أي اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية قد يضاعف الضغوط الاقتصادية والسياسية على الحكومات الغربية.
ولهذا يبدو أن هناك سباقاً خفياً بين التصعيد العسكري ومحاولات احتواء الصراع قبل أن يتحول إلى حرب إقليمية شاملة يصعب التحكم في مساراتها، فكل طرف يحاول تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الاستراتيجية دون الانزلاق إلى مواجهة لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل كانت الحرب خياراً استراتيجياً مدروساً بدقة من قبل الأطراف المعنية، أم أنها نتيجة حتمية لتراكم طويل من التوترات والصراعات التي لم تجد طريقها إلى الحل السياسي؟
قد يرى البعض أن المواجهة مع إيران أصبحت أمراً لا مفر منه في ظل تصاعد نفوذها الإقليمي وقدراتها العسكرية المتنامية. بينما يرى آخرون أن الحرب، مهما كانت مبرراتها، تظل مغامرة محفوفة بالمخاطر في منطقة تعيش أصلاً حالة من الهشاشة السياسية والأمنية.
وفي كل الأحوال، يبدو أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن يتم احتواء هذا التصعيد ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، أو أن المنطقة ستدخل مرحلة جديدة من الصراعات المفتوحة التي قد تعيد رسم خريطة التوازنات الإقليمية لعقود قادمة.
وحتى تتضح ملامح النهاية، سيظل الشرق الأوسط يعيش تحت وقع سؤال كبير يزداد ثقلاً يوماً بعد آخر: هل ما نشهده اليوم هو مجرد فصل من فصول الصراع الطويل بين إيران وخصومها، أم أنه بداية لمرحلة أكثر عمقاً قد تغيّر وجه المنطقة بأكملها؟