عندما يقتل الاقتباس الرخيص روح الإبداع في 'الهيبة رأس الجبل'

أزمتا الكتابة الاصلية ونزعة تقليد الرؤية الإخراجية تكشفان حدود الاقتباس وتبينان أن الابداع الحقيقي ينبع من الثقافة المحلية التاريخية وليس من استنساخ أعمال الاخرين.

كشف مسلسل "الهيبة رأس الجبل" عن نموذج صارخ لفشل الاقتباس الرخيص وإهدار الفرص الثقافي، فقد بيّن منذ حلقاته الأولى عجزًا عن تقديم رؤية إبداعية أصيلة، بينما تحوّل الطموح الذي رافق المشروع سريعًا إلى خيبة أمل جماهيرية واسعة، ثم فجّر نقاشًا عميقًا حول أزمة الدراما المغربية المعاصرة، في حين تكافح الصناعة المحلية للخروج من ظل الإنتاجات العربية والتركية الأكثر احترافية، غير أن هذا العمل رسّخ صورة سلبية عن قدرتها على المنافسة، لذلك أبرزت ردود الفعل حجم الهوة بين التوقعات والنتيجة وأكدت أن الاقتباس غير المدروس يقتل الروح الأصلية، بالتالي أثبت المشروع أن النقل الميكانيكي لا يمكن أن يعوض الإبداع الحقيقي. 

وعانى الجمهور المغربي من جوع حقيقي لأعمال درامية محلية قوية تعبر عن هويته وتعالج قضاياه بعمق، وكان ينتظر نسخة مغربية من "الهيبة" تحمل خصوصياته الثقافية والاجتماعية، غير أن المفاجأة جاءت بعمل باهت يفتقر إلى الأصالة فتحوّل إلى كارثة درامية شاملة، في حين كان الرهان كبيرًا على إعادة صياغة الظاهرة العربية الناجحة، لكن المشروع أحبط الآمال وأسقط الرهانات، لذلك أكد مرة أخرى أن الاقتباس في المغرب غالبًا ما ينتهي إلى نسخ ميكانيكي بلا روح، على أن ضعف المشاهدة دلّ على أن الجمهور لم يجد ما يستحق الالتزام الأسبوعي، بالتالي ظهرت الحاجة إلى أعمال أصلية تعبر بصدق عن المجتمع المغربي. 

وبيّن ضعف نسب المشاهدة رفض الجمهور للمشروع بشكل واضح وصريح، إذ احتل "رأس الجبل" المرتبة السادسة ضمن الدراما على قناة MBC5، بينما هذا الترتيب بدا مخجلاً مقارنة بالرهان الكبير الذي وضع عليه، ثم دفع الجمهور إلى تفضيل أعمال أخرى أقل طموحًا لكنها أكثر تماسكًا دراميًا، كما امتد الإحباط إلى غياب التفاعل الرقمي اللافت على مواقع التواصل، وظل الحديث عن العمل محدودًا وغير متحمس، لذلك أدركت الشركة المنتجة الرسالة سريعًا فجمدت أي خطط لمواسم جديدة، على أن القرار أكد أن الفشل لم يكن محليًا فقط،  لأنه صار إقليميًا  تلقائيا ، بالتالي أثبت أن الجمهور يبحث عن أصالة مغربية خام وليس تقليد باهت ومكرر. 

وبرز اختيار الكاستينغ كأحد أبرز أسباب السقوط المدوي لـ" الهيبة رأس الجبل"، إذ بدا عشوائيًا وغير مدروس، كما أن الأداء المغربي جاء خاليًا من الكاريزما والقوة الجاذبة وافتقر إلى العمق النفسي الذي ميّز النسخة الأصلية، فبدت الشخصيات مسطحة وغير قابلة للتعاطف، فأدى ذلك إلى إفراغ الحبكة من أي صدى عاطفي حقيقي، لذلك خاب أمل الجمهور الذي اعتاد على أداء قوي ومتماسك في النسخة اللبنانية، على أن المشاهدين شعروا بغياب القدرة على نقل التناقضات الداخلية، بالتالي أكدت المقارنات الدائمة تفوق الكاريزما الأصلية والمستوى التركي في التمثيل والإخراج. 

وأبطأ الإيقاع الدرامي السرد وحوّل مشاهد التشويق إلى لحظات لا تُطاق، فقد اعتمدت النسخة الأصلية على توازن دقيق بين الأكشن والرومانسية والصراعات العائلية، غير أن النسخة المغربية جاءت ثقيلة الظل مليئة بالحشو والمشاهد المطولة دون مبرر فني فأفقد البطء العمل أي قدرة على بناء التوتر أو خلق التشويق، كما تحولت الحلقات إلى حوارات رتيبة ومواقف متكررة، وساهم هذا الخلل في تراجع المتابعة تدريجيًا، لذلك كشف عن ضعف في الكتابة والإخراج، على أن الفريق فشل في استيعاب أن الاقتباس يتطلب إعادة صياغة ذكية، بالتالي أثبت أن النقل الحرفي البطيء يقتل الروح ويضعف الجاذبية. 

ووقع العمل في فخ الاستنساخ الميكانيكي مع لمسات مغربية سطحية لم تضف قيمة حقيقية، إذ اقتصرت محاولة "المغربة" على تغيير اللهجة وبعض العادات الاجتماعية الظاهرية، بينما هذه التغييرات لم تغص في عمق الثقافة المغربية وتجاهلت خصوصياتها التي كان يمكن أن تصنع صراعات جديدة ومؤثرة، كما سعى العمل أيضًا إلى تقليد الأسلوب التركي في التصوير والتمثيل فخرج هجينًا لا ينتمي لأي جانب بشكل مقنع، لذلك أثار التقليد دون إبداع سخرية واسعة ومقارنات لاذعة مع النسخة الأصلية والتركية، على أن هذا الفشل كشف عن أزمة إبداعية أعمق في الدراما المغربية، بالتالي أكدت النتيجة أن الأصالة غابت تمامًا. 

وكشف حوارات المسلسل و تكوين لقطاته عن كارثة ثقافية تؤكد هشاشة الدراما المغربية أمام تحديات الاقتباس والمنافسة الإقليمية، فعوض أن يكون خطوة نحو تطوير إنتاج محلي قوي ينافس عربيًا ودوليًا، تحوّل إلى دليل دامغ على أن النسخ الرخيصة لا تنتج إلا إحباطًا جماهيريًا وفشلًا فنيًا، في حين أن  التجربة أبرزت الحاجة إلى أعمال أصلية تُعبر عن الثقافة المغربية بكرامة وإبداع، وإنما أثبتت أن التقليد الباهت يُذكّر دائمًا بما هو أفضل في مكان آخر، فجّرت هذه النتيجة نقاشًا حول مستقبل الدراما المغربية ورسّخت قناعة أن الطريق نحو المنافسة يبدأ من الداخل لا من الاستنساخ، لذلك بدت الأزمة أعمق مما يُتصور، على أن الأمل يظل قائمًا في إنتاج أصيل يليق بالهوية المغربية، بالتالي يبقى الدرس واضحًا: لا بديل عن الإبداع الحقيقي  النابع من الهوية والثقافية المغربية.