'با لحبيب' دراما عائلية تعرّي جحود الأبناء زمن السوشيال ميديا
تدور أحداث المسلسل المغربي القصير "با لحبيب" للمخرج المغربي يونس الركاب حول قصة رجل يُدعى صالح، يعيش صدمة فقدان زوجته ورفيقة دربه، ليجد نفسه وحيدًا في مواجهة فراغ عاطفي كبير، إذ يقرر الانتقال للعيش مع أبنائه، لكن تدخله المفرط بدافع الحب في تفاصيل حياتهم اليومية يحول وجوده إلى عبء ثقيل عليهم، ما يؤدي إلى توتر العلاقات داخل الأسر، ومع تصاعد الأحداث يضطر صالح إلى اتخاذ قرار جريء بهدف إعادة ترتيب العلاقات العائلية وتذكير أبنائه بقيمة الروابط الأسرية.
العمل من سيناريو كوثر المطواع، وبطولة كل من عبدالله فركوس وفاطمة وشاي وحسن فولان وحسناء مومني وزهير زائر وحمزة الفيلالي.
يطرح سيناريو "با لحبيب"، الذي عُرض في رمضان 2026 على القناة الثانية المغربية، صورة واقعية لأزمة العلاقات الأسرية في المجتمع المغربي المعاصر، من خلال قصة "صالح" الأرمل الذي يواجه الوحدة بعد رحيل زوجته نزهة، ثم يصطدم بجحود أبنائه الذين يرفضون وجوده المفرط في حياتهم الخاص، ويجمع العمل بين الكوميديا الخفيفة والدراما العميقة ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يتحول الحب الأبوي الزائد إلى عبء، وكيف يمكن للدرس القاسي أن يعيد ترتيب الأولويات العائلية؟
يبرز العمل أصالته المغربية من خلال لغته الدارجة الحية وشخصياته التي تبدو مأخوذة من الواقع اليومي، حينما يجسد عبدالله فركوس دور "صالح" بأداء طبيعي يمزج بين الطرافة والألم، ليبين حالة كثير من كبار السن الذين يجدون أنفسهم غرباء في بيوت أبنائه، وينجح المخرج يونس الركاب في رسم مشاهد كوميدية دقيقة تتعلق بتدخلات صالح في تفاصيل الحياة الزوجية والمنزلية، لكن هذه الطرافة سرعان ما تتحول إلى دراما مؤلمة عندما يطلب الأبناء من والدهم العودة إلى بيته الخالي، ويوضح هذا التحول واقعاً اجتماعياً مريراً يشهد تآكل قيم الإحسان والتضحية أمام ضغوط الحياة الحديثة والفردانية المتزايدة.
ويأتي أداء الممثلين في مسلسل "با لحبيب" على مستوى مقبول ومعقول يتناسب مع طبيعة السلسلة القصيرة والكوميديا الاجتماعية الخفيفة، دون أن يصل إلى درجة الإبداع الاستثنائي أو التميز الكبير، إذ أدى عبد الله فركوس دور "صالح" بأداء طبيعي ، يعتمد على تعابير الوجه والنبرة الهادئة لنقل الحنان الأبوي والألم الداخلي، لكنه يبقى ضمن حدود الدور التقليدي دون إضافات فنية معقدة تجعله لا يُنسى، بينما في المشاهد الكوميدية يظهر في التوقيت الجيد للنكتة أو التعليق، في حين في اللحظات الدرامية يصل إلى مستوى مقبول من التأثير العاطفي دون الوصول إلى البكاء المبالغ فيه أو الانهيار الدرامي الشديد. وباقي الممثلين مثل فاطمة وشاي وحسن فولان وحسناء مومني وزهير زائر وحمزة الفيلالي يؤدون أدوارهم بكفاءة متوسطة إلى جيدة، إذ ينجحون في تجسيد الشخصيات اليومية المغربية دون أخطاء بارزة.
لكن بعض الحوارات عبارة عن كليشيهات مباشرة، وبعضها متكلفة قليلاً أو تفتقر إلى التنويع في اللهجة والإيقاع، كما توجد هفوات طفيفة مثل بعض ردود الفعل المتكررة أو النظرة المباشرة إلى الكاميرا في لحظات معينة، لكنها لا تفسد التجربة العامة وتبقى ضمن ما هو متوقع في إنتاج تلفزيوني رمضاني محدود الميزانية، ويعتمد التمثيل على البساطة والصدق الظاهري، يجعل الشخصيات تبدو قريبة من الواقع الذي يعيشه المشاهد المغربي العادي.
ويستحق العمل الإشادة لأنه يعالج موضوعاً مغربيا واقعيا للأسف، فبدلاً من الاكتفاء بتصوير الجحود كجريمة مطلقة، يبين "با لحبيب" حلاً إيجابياً من خلال الدرس الذي يقرره "صالح"، وهو درس يهد إلى إيقاظ الضمير وإعادة اكتشاف قيمة الوالدين، حينما يبدأ بإظهار استقلاليته وسعادته الظاهرية، ليخلق فراغاً حقيقياً لدى أبنائه الذين يدركون تدريجياً كم كان وجوده مصدر أمان ودفء رغم ما اعتبروه تدخلاً، وهذا النهج يرفع من مستوى العمل ويجعله دعوة للمصالحة العائلية.
ويؤكد المسلسل أهمية الروابط الأسرية والأخوة في وقت أصبح فيه الإنسان يميل إلى رمي والديه في دور العجزة أو معاملتهم كأعباء بعد انتهاء دورهم التربوي، فيوضح رسالة إنسانية قوية مفادها أن الحب الأبوي نعمة لا تُعوض، وأن فقدانها يترك جرحاً عميقاً لا يندمل إلا بالعودة إلى القيم الأصيلة، كما يدعو العمل إلى توازن بين احترام خصوصية الأجيال الجديدة وبين الحفاظ على قدسية الوالدين، وهو توازن يحتاجه المجتمع المغربي اليوم بشدة.