الإمارات تُظهر صلابة في الدفاع وحكمة تمنع الانزلاق إلى الحرب
في لحظة إقليمية مشحونة، اختارت دولة الإمارات أن تدير التحدي لا أن تنفعل معه، وأن توازن بين حقها السيادي في الدفاع عن أراضيها وأجوائها، وبين رؤيتها الاستراتيجية التي تضع الاستقرار والتنمية في صدارة الأولويات. هذا النهج لم يكن وليد اللحظة، بل امتداد لمسار تأسس منذ عهد الأب المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويتواصل اليوم برؤية متماسكة يقودها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، تقوم على أن القوة الحقيقية للدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الرد، بل بحكمتها في اختيار توقيت هذا الرد وطبيعته.
فصلابة الدول الحقيقية تُقاس في لحظات الشدائد، ففي خضم الضوضاء تبرز ملامح التماسك العميق بين القيادة والمجتمع وفي حالة دولة الإمارات، يتجلى هذا المعنى بوضوح في ظل ما تتعرض له من اعتداءات إيرانية استهدفت أمنها وأجواءها، حيث جاء الرد ضمن إطار حقها السيادي في الدفاع عن النفس، وبحسابات دقيقة تجنّبت الانجرار إلى مواجهة أوسع. هذا التوازن يعكس نضجاً استراتيجياً يقوم على حماية الدولة دون التفريط في مسارها التنموي أو استقرارها الداخلي.
وفي خضم هذه المعطيات، تبرز الإمارات نموذجاً لدولة قادرة على امتصاص الصدمات دون تعطّل، ومواصلة مسيرتها بثبات، حيث تتكامل الجاهزية الدفاعية مع استمرارية التنمية. وهكذا، تثبت أن الحكمة في إدارة الأزمات لا تعني التردد، بل تعني اتخاذ قرارات محسوبة تحمي السيادة، وتحافظ في الوقت ذاته على الاستقرار، وتمنع الانزلاق إلى صراعات أوسع، بما يعزز مكانتها كدولة قوية ومتوازنة في محيط إقليمي مضطرب.
تعاملت الإمارات منذ بداية العدوان الإيراني، مع التهديدات بكفاءة عالية، حيث تصدت دفاعاتها الجوية لسلسلة من الهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في مشهد يعكس جاهزية عسكرية متقدمة وانضباطًا عملياتيًا لافتًا، فقد أعلنت وزارة الدفاع اعتراض وتدمير عشرات الصواريخ الباليستية والمسيرات، ما يعكس قدرة دفاعية متواصلة تحمي المجال الجوي دون تصعيد خارج حدوده الدفاعية.
ولم يكن هذا الأداء العسكري منفصلًا عن خطاب سياسي محسوب، عبّر عنه بوضوح أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الامارات، الذي قدّم قراءة متماسكة للموقف الإماراتي، ففي سلسلة تغريدات كان أحدثها الاثنين، انتقد فيها الخطاب الإعلامي الإيراني واصفًا إياه بـ"التعبوي الساذج" البعيد عن الواقعية، مؤكدًا أن مصداقية السردية الإعلامية تبقى عنصرًا حاسمًا في الحروب وهو طرح يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية "معركة الرواية" في موازاة المعركة الميدانية.
وأكد في تغريدة أخرى أن أي حل سياسي يجب أن يتضمن ضمانات واضحة تمنع تكرار الاعتداء، وأن يكرّس مبدأ عدم الاعتداء، مع ضرورة التعويض عن استهداف المنشآت المدنية. كما شدد على أن الإمارات لم تسعَ إلى هذه الحرب، لكنها تواجه "عدوانًا غاشمًا" بثبات وكفاءة، مع تمسكها بأن الحل السياسي هو المسار الوحيد لضمان أمن مستدام في المنطقة.
ويوضح هذا التوازن بين الحزم والانفتاح السياسي جوهر الرؤية الإماراتية: الدفاع عن السيادة واجب لا تراجع عنه، لكن دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة قد تقوّض استقرار المنطقة. وهنا تتجلى حكمة القيادة في إدارة الأزمة ضمن سقف استراتيجي أوسع، يهدف إلى احتواء التصعيد بدل تغذيته.
وعلى الصعيد الداخلي، برزت صورة التماسك الوطني كأحد أبرز عناصر القوة الإماراتية، فقد أشاد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بالروح الدفاعية العالية للقوات المسلحة، وبالروح الوطنية الكبيرة لشعب الإمارات والمقيمين وبحس المسؤولية لدى فرق العمل في مختلف القطاعات. وهذا التلاحم بين القيادة والمؤسسات والمجتمع شكّل جدارًا صلبًا في مواجهة التحديات.
وأكد مجلس الوزراء أن جميع القطاعات تعمل وفق رؤية رئيس الدولة للحفاظ على المكتسبات، مع جاهزية عالية لضمان أن تكون الإمارات "أقوى خلال الأحداث وأسرع في العودة الطبيعية". وهي رسالة تطمين تعكس ثقة مؤسسية عميقة بقدرة الدولة على امتصاص الصدمات ومواصلة مسيرتها التنموية دون انقطاع.
ولعل اللافت أن الإمارات، حتى في خضم الأزمة، لم توقف عجلة التنمية، بل واصلت إطلاق المبادرات الاستراتيجية، فقد تم اعتماد استراتيجية لقطاع الفضاء تمتد لخمس سنوات، في قطاع يتجاوز حجمه 44 مليار درهم ويضم أكثر من 170 مؤسسة، مع خطط للوصول إلى مصاف الدول العشر الأولى عالميًا. كما تم إقرار أكثر من 120 اتفاقية دولية في مجالات الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا، إلى جانب استراتيجية للطب التكاملي، ما يؤكد أن الدولة لا تدير الأزمة بعقلية الطوارئ، بل بعقلية الاستمرارية.
وهذا الإصرار على المضي قدمًا يعكس ثوابت النموذج الإماراتي، القائم على بنية تحتية متطورة، ومنظومة تشريعية مرنة، وشبكة علاقات دولية راسخة، وجودة حياة تُعد من بين الأفضل عالميًا وهي عناصر تجعل من الاقتصاد الإماراتي أكثر قدرة على التعافي السريع، ومن الدولة أكثر جاذبية وثقة في أعين الشركاء الدوليين.
والمشهد بتجلياته الراهنة ورغم حجم تعقيداته وتداخلاته، يظهر أن الإمارات تقدم نموذجا فريدا في إدارة الأزمات: قوة دفاعية تحمي السيادة بكفاءة، وخطاب سياسي عقلاني يرفض التصعيد وتماسك داخلي يعزز الجبهة الوطنية، واستمرار تنموي يبعث برسالة ثقة إلى العالم وهي في مجملها وجوهرها معادلة دقيقة تجمع بين الصلابة والمرونة وبين الردع والحكمة، ما يجعل من الإمارات ليس فقط دولة قادرة على تجاوز التحديات، بل على الخروج منها أكثر قوة واستقرارا.