'أغالب مجرى النهر'.. عن شخصيات مأزومة تنتظر مخلّصها

الرواية المرشّحة للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2026، تطرح سرديةٌ عميقة حول أسباب التحوّل نحو 'العشرية السوداء' من خلال تفكيك البنية النفسية والاجتماعية لشخصيات مأزومة تبحث عن براءتها. والخلاص من ماضيها.

وصلت رواية "أغالب مجرى النهر" للكاتب الجزائري سعيد خطيبي الصادرة عن دار ''هاشيت أنطوان/ نوفل'' اللبنانية إلى القائمة القصير للجائزة العالمية للرواية العربية ''البوكر'' للعام 2026، تنافسها خمس روايات أخرى من الوطن العربي على غرار لبنان والعراق ومصر..  ورواية أخرى  من الجزائر هي "منام القيلولة" للكاتب  أمين الزواي، لنكون أمام روايتين جزائرتين من أصل ست روايات عربية تتنافس على الجائزة.

وإن اختلفت أجواؤهما، فهما تتقاطعان ببعض الثيمات، فالأولى أحداثها قبل العشرية السوداء بينما الثانية أثناءها، لكن كليهما يشرحان المجتمع الجزائري مسلطين الضوء على عاداته وتقاليده سواء في الريف أو في المدينة، مثلما هو حال روايتنا التي قال عنها كاتبها سعيد خطيبي "شرعت في الكتابة أواخر عام 2022 مدفوعا بواقعة ظلت تشغل بالي تتعلق بصديق طفولة فقد بصره مبكرا وكان بالإمكان إنقاذه لو أتيح له زرع قرنية، من هذه الحكاية انطلقت فكرة الرواية لابوصفها سردا لحدث شخصي بل بوصفها سؤالا عن الحياة نفسها".

وتدور أحداث رواية صاحب ''حطب سراييفو'' و''نهاية الصحراء'' في مدينة ''بوسعادة'' الجزائرية قبل بداية ''العشرية السوداء'' بأشهر قليلة، حيث تتمحور أحداثها حول التحقيق في مقتل طبيب التشريح المشهور ''مخلوف التومي'' الذي مات مسموما وهو يقود سيارته، والمتهمان الرئيسيان في هذه الجريمة هما زوجته طبيبة العيون ''عقيلة التومي'' ووالدها المناضل السابق ''عزوز الخالدي''.

وتنقسم الرواية إلى قسمين: الأول يتضمن 17 فصلا  ترويه زوجة القتيل حين تعود إلى ماضيها، مع تدخّل راو عليم أثناء العودة لجلسات التحقيق، والقسم الثاني مقسّم لـ16 فصلا وأحرف أبجدية يرويها والدها بصوته مع تدخل راو عليم أيضا أثناء العودة إلى الزمن الحاضر.

وتتقاطع مصائر هاتين الشخصيتين في أربع نقاط، أي "عزوز" وابنته "عقيلة، فكلاهما متهم بقتل الطبيب مخلوف وكلاهما قدّم خدمة سابقا للمحقق الذي يتولى التحقيق معهما. فعقيلة زرعت قرنية لوالدة المحقق الخاص بها "جمال درقين" وكللت بالنجاح، وعزوز ساعد بإدخال والدة المحقق إدريس بادا إلى دار رعاية العجزة، وكلا الشخصيتين يحمل في داخله ماض يؤرقه وكلاهما ينتظران الصحفي "بودو" ليخلصهما من آثام هذا الماضي. 


امرأة مضطهدة 
لم يكن سهلا على الطبيبة جراحة العيون الشهيرة عقيلة التومي الدخول إلى السجن، فهذا الذي لم تكن تتوقعه يوما رغم انخراطها بالمحظورات لكسب المال بتشجيع من زوجها القتيل، ما يجعلها نادمة فتقول "لو أنني غالبت طيبتي وغالبت مجرى رغباته".  لذلك يفتتح الكاتب روايته بمشهد لها وهي محشورة في الزنزانة تنظر إلى صحن الأرز الذي قدّمته لها سجانتها وتتقزز من النمل الذي يسير فيه فتمنع عن تناوله. عدا عن الإذلال الذي تعرضت له حين تمت تعريتها وتفتيشها من قبل الشرطية قبل إدخالها  السجن والتحقيق المرهق الذي تعرضت إليه. فالزمن ثقيل في السجن لا يعزي المرء فيه سوى استرجاع ذكرياته.

تروي لنا عقيلة ماضيها بصوتها، هي التي نشأت على يد أم قاسية ''قمرة'' توبّخها دائما وتدعو عليها رغم ما وصلته من مكانة ثقافية، ما أثر على شخصيتها وأضعفها وعبّأ رأسها بأفكار بالية رغم ثقافتها،  لتبتلى بعدها بزوج قاس يعنفها ويضربها باستمرار ويعيّرها بعدم إنجاب ذكر له. فعلى الرغم من كونه طبيبا ومثقفا إلا أن شخصيته الشرقية هي التي تطغى على تصرفاته فيعيش في ازدواجية كبيرة على الرغم من علمه أن المشكلة علمية.. فتجهض منه سرّا.

بينما علاقتها مع ابنتها الوحيدة ''مينا'' يشوبها الاضطراب، فهي تشاكسها دائما، أما علاقتها بأخيها ''ميلود'' فهي جيدة، فهو يساعدها في عيادتها، ويتهم لاحقا هو وجارته بقتل صهره، أما علاقتها بصديقتها المقربة ''سلوى عديلي'' فقد شابها التباس يوحي بميول مثلية لديها.

لكن عقيلة ليست جراحة عيون عادية، فهي سارقة أيضا بهدف الثراء بتشجيع من زوجها طبيب التشريح مخلوف، الذي يجبرها على انتزاع قرنيات الجثث التي تصله إلى المشرحة لتزرعها في أعين مرضاها الذين يحتاجونها في عمليات جراحية تدرّ عليها أموالا كبيرة، يأخذ هو القسم الأكبر منها ويعطيها القليل. وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت وضعيتها المادية جيدة، لكنها رغم ثقافتها لا تتورع عن الذهاب لأحد الشيوخ ليصنع لها التمائم التي تكفّر بها عن ذنوبها.. كما قررت افتتاح كلية للطب على نفقتها الخاصة في ''بوسعادة'' كي توفر على الطلاب في المدينة مشاق السفر إلى العاصمة، لذلك تواصلت مع الصحفي ''بودو'' كي تعرض عليه الموضوع ليذيعه على التلفزيون الرسمي، لكنها دخلت السجن قبل أن يتم الأمر. 


رجل مظلوم 
ولد عزوز الخالدي المتهم الرئيسي الثاني في جريمة القتل ووالد عقيلة، في قرية نائية لأسرة بسيطة حيث كان يعمل بحلب الماعز في طفولته، لينتقل لاحقا هو وأسرته إلى المدينة بسبب الجفاف ويعمل بمهن كثيرة كمصلح لسكك القطارات وماسح للأحذية وعتّالا في الميناء..

شارك في الحرب العالمية الثانية مع الجيش الفرنسي ضد الإيطاليين ثم انضم لاحقا لحركة التحرير التي قادت الثورة ضد الفرنسيين، لكنه اتهم بالخيانة من زملائه الثوار في الحركة لأنه رفض تفجير مطعم أخيه الذي يرتاده الفرنسيون وعصى أوامرهم فاتهموه بأنه حركي (تهمة تطلق على من يعادي الثورة) وأحرقوا ظهره لتبقى ندبة عليه سيرافقه عارها حتى موته. قال عبارته الشهيرة الذي اشتق منها اسم الرواية "هل كانت حياتي ستسير على ألطف حال لو أنني امتثلت لأوامرهم ولم أغالب مجرى النهر؟!".

لذلك تواصل بدوره مع الصحافي "بودو" كي يوصل صوته إلى الرأي العام ويتبرّأ من الخيانة أمام الناس وعائلته، لأن العار سيرافقه حتى بعد مماته إن لم يفعل ذلك، وسيكتشفون أثناء تغسيل جثته الندبة.. لكن ''بودو'' يموت في حادث سير وهو قادم إلى المدينة.

من سوء حظ عزوز هذا الرجل الطيب الذي لا يتوانى عن وضع نفسه مكان ابنه ''ميلود'' حين يكتشفون أنه هو الذي كان يقود السيارة التي كانت تسير خلف صهره القتيل. ميلود يشبه أباه في إحدى الصفات، وهي إنجابه ابنة غير شرعية. فعزوز أيضا أنجب من إحدى النساء ابنا غير شرعي ولم يعترف به فتبنته عائلة وأصبح حين كبر قوادا في بيت دعارة تديره قوادة مشهورة. وهذه وصمة عار أخرى في حق عزوز تزيد أموره سوءا وحياته تعقيدا، عدا التهم الموجهة إليه حيث يوجه المحقق إليه أربع تهم أثناء احتجازه، الأولى هي قتل صهره والثانية تحريض ابنته لقتل ''شهلا البرق'' التي كانت تنكل بالحركيين، والثالثة التواصل مع جهة إعلامية غير رسمية ''بودو''، والرابعة -وهي الأغرب- حيازته لقبعة ''شارلي شابلن'' التي ارتداها حين زار المدينة، وتعتبر ملكا عاما.. فيدخل عزوز بذلك دوامة لا أمل له بالخروج منها. 


تشريح مجتمع كامل 
في روايته هذه الذي يعتقدها المرء للوهلة الأولى أنها رواية بوليسية لتمحورها حول حادثة قتل وسيطرة جلسات التحقيق فيها على ثلاثة أرباع متنها، عرّى خطيبي مجتمعا عربيا كاملا ونبش في تاريخه المسكوت عنه. فجرت أحداثها عكسيا بالعودة من الحاضر إلى الماضي البعيد مثلما تفعل أسماك ''السلمون'' التي تسبح في النهر عكس التيار لتعود للولادة والموت في مسقط رأسها حيث تتغذى عليها فراخها.

فسلّط الضوء في سرديته البديعة على تاريخ كامل من الظلم و الفساد والدكتاتورية، الذي سيؤدي بعد فترة ليست ببعيدة عن الزمن الذي تجري فيه أحداث الرواية، إلى انفجار المجتمع الجزائري ليدخل في دوامة عنف دموي تمتد  لعشر سنوات مريرة سمّيت بالعشرية السوداء. 


دوافع الشخصيات و أسبابها 
غاص خطيبي في روايته هذه في نفوس شخصياته مفككا تركيبتها السيكولوجية، فعاد إلى نشأتها وبيّن دوافعها التي تحركها  حتى وصلت  إلى هذا الحال الذي وصلت إليه. فالجميع متهم فيها والجميع بريء في نفس الوقت، فكانت رواية عميقة أكثر مما هي بوليسية ومشوقة.

ولذلك اختارتها لجنة التحكيم في الجائزة العالمية للرواية العربية في قائمتها القصيرة التي ستعلن نتائجها في التاسع من شهر أبريل/نيسان لهذا العام، حيث لاقت الرواية أصداء نقدية كبيرة في الأوساط الثقافية العربية وكتب عنها الكثير في الصحف، ولعلها ستكون الرواية الفائزة لهذا العام.