متاهة الذاكرة واستحالة الوصول في 'رحلة حافية'

قصة الطيب الطهوري تُبرز مهارة السرد في تذويب الحدود بين الواقع والمُخيّلة، وتستكشف هشاشة الوجود الإنساني من خلال لقاءات عابرة ونهايات صادمة.

حين أنهيت قراءة القصة القصيرة "رحلة حافلية"، شعرت أن الأستاذ الطيب طهوري لم يكن يحكي لي قصة بقدر ما كان يضعني في حالة. كأننا كنا واقفين معا في محطة الحافلات تلك، وهو يلتفت نحوي فجأة ويسأل: "إلى أين؟" ثم يبتسم ابتسامة خفيفة لأنه يعرف أن السؤال نفسه هو المأزق. ما يعجبني هنا أنه لا يضغط على الفكرة، لا يحولها إلى خطاب فلسفي مباشر، إنه يتركها تتسلل من خلال التفاصيل الصغيرة.

أكثر ما شدني، وكنت سأقول له ذلك لو كان أمامي، هو طريقته في جعل الذاكرة تتداخل مع اللحظة دون إعلان. فجأة نحن في الحافلة، ثم نحن في القرية، ثم في الطفولة، ثم نعود دون إشعار. ذكّرني هذا الانسياب، وأنا أقرأ، بشيء من حساسية مارسيل بروست في البحث عن الزمن المفقود، لكن دون ذلك التراكم المطوّل؛ هنا كل شيء يحدث بسرعة، كأن الذاكرة تومض لا أكثر.

أما الفتاة، فكان الحوار بينها وبينه يبعث فيّ ابتسامة هادئة. لم يثقلها الطيب بالأسئلة: لا اسم، لا ماض، لا تفسير. فقط حضور، ابتسامة، كتف يستند إليه رأس. وهذا الصمت بينهما -بصراحة- هو ما أعطى المشهد ثقله. شعرت بشيء قريب مما نجده عند ألبير كامو في الغريب، حيث العلاقات لا تُشرح بقدر ما تُعاش في بساطتها الغامضة.

تمتلك اللغة في القصة قدرة لافتة على خلق صور حية ومؤثرة، صور لا تكتفي بأن تُرى وإنما تُحس، وكأنها تلامس طبقة داخلية في الوعي لا تُدرك بسهولة. هناك تناغم واضح بين الحس الشعري والسردي، يجعل النص يتنفس بإيقاع خاص، ليس اندفاعا حكائيا خالصا، وإنما تأمل نابض يشبه الوعي وهو يتحرك.

ثم تأتي النهاية وهنا توقفت طويلا. الانفجار المفاجئ -الطائرات، القنابل- جعلني أشعر وكأن الطيب أراد أن يوقظني بعنف من هذا الحلم الرقيق. منح هذا التحول الحاد النص قوة إضافية، وكأنه يوسع أفقه من لحظة فردية حميمة إلى مصير إنساني أوسع. ذكّرني بانتقالات تي إس إليوت في الأرض اليباب، حيث يتداخل الخاص والعام، الحميمي والكارثي، في نسيج واحد.

أكثر جملة بقيت معي هي الأخيرة: أن يمشي خلف ظله. هذه صورة لم أشعر بأنها مكتوبة، وإنما مُكتشفة. كأنها جاءت إليه فجأة وهو يكتب. ولو كنت معه، لقلت له: هنا تحديدا، وجد النص نفسه. لأن هذه الصورة لا تشرح شيئا، لكنها تفتح كل شيء، وتضعني أمام إحساس غريب بأن الذات لا تمشي نحو هدف واضح، وإنما تتحرك داخل فراغ يحاول أن يتشكل باستمرار.

ما يعجبني في القصة عموما أنها لا تدعي معرفة، ولا تحاول أن تجيب. وإنما تتركك في حالة تساؤل هادئ: هل كنا فعلا في رحلة؟ أم كنا فقط نمر عبر طبقات من أنفسنا؟ وهل كان اللقاء حقيقيا، أم أنه أحد أشكال الحاجة التي لم نجد لها اسما؟ أظن الطيب يعرف هذه الأسئلة، لكنه يتعمد ألا يقترب منها مباشرة. وهذا، بصراحة، ما جعلني أصدقه هنا.

ومع ذلك، كلما أعدت التفكير في النص، أشعر بأن الطيب لم يكن فقط يضعنا في حالة، وإنما كان يجرب شكلا خاصا من الوعي السردي، حيث لا يعود الحدث هو المركز، وإنما الإحساس الذي يمر عبره الحدث. ليست الحافلة، في هذا المعنى، وسيلة نقل وإنما فضاء مؤقت تتقاطع فيه الذوات دون أن تكتمل، كأنها استعارة دقيقة للعالم نفسه: مكان يجمعنا للحظات، ثم يتركنا نتفرق دون يقين، وكأن هذا التقاطع العابر يخفي في عمقه سؤالا وجوديا حول معنى أن نكون معا دون أن نمتلك القدرة على الثبات في هذا الاجتماع.

هذا ما يجعلني أتوقف عند فكرة "اللقاء" كما تتشكل في النص. لا يتحقق اللقاء هنا بوصفه معرفة، وإنما بوصفه تماسا عابرا، لحظة اقتراب لا تُستثمر ولا تُفسَّر. وهذا يفتح أفقا تأمليا عميقا: هل قيمة اللقاء في استمراره، أم في كونه لحظة خاطفة تترك أثرا لا يُمحى؟ وهل كان الطيب يلمّح، من حيث يدري أو لا يدري، إلى أن بعض العلاقات لا تُخلق لكي تدوم، ولكن لكي تكشف لنا شيئا عن أنفسنا ثم تنسحب؟ هنا أشعر أن اللقاء لا يعود حدثا بين شخصين، وإنما يتحول إلى تجربة تضع الذات أمام حدودها، كما لو أن الآخر يظهر فقط ليخلخل هذا الإحساس الزائف بالاكتفاء.

في هذا السياق، تبدو الفتاة أقرب إلى فكرة منها إلى شخصية، فكرة الحضور الإنساني الخفيف الذي لا يثقل العالم، وإنما يمر فيه كنسمة. ومع ذلك، يترك هذا الحضور العابر أثرا أعمق من كثير من العلاقات الممتدة، وكأن الطيب يعيد ترتيب مفهوم الأهمية: ليس ما يطول هو ما يبقى، وإنما ما يلمسنا في اللحظة المناسبة، وكأن القيمة لا تقاس بالمدة وإنما بقدرة اللحظة على اختراقنا.

كما أن النص يشتغل، بهدوء لافت، على تفكيك الزمن الخطي. لا يوجد "قبل" و"بعد" بالمعنى التقليدي، وإنما هناك تراكب مستمر، حيث الطفولة ليست ماضيا منتهيا، وإنما طبقة حاضرة في كل لحظة. هذا ما يجعل القارئ يشعر بأن الشخصية لا تتحرك في الزمن، وإنما تحمل الزمن داخلها. وهنا تتبدى حساسية قريبة من تأملات هنري برغسون حول "المدة" بوصفها تدفقا داخليا لا يقاس بالساعات، حيث لا يكون الزمن شيئا نمر عبره، وإنما شيئا يتكثف فينا ويعيد تشكيل وعينا دون توقف.

حتى الأشياء الصغيرة في النص -الحقيبة، الحليب، القندورة- تتحول إلى علامات دالة، لا على واقعها المادي فقط، وإنما على شبكة من العلاقات والمعاني التي تتجاوزها. كأن الطيب يمنح الأشياء قدرة على الاحتفاظ بالزمن، فتغدو وسيطا بين ما كان وما هو كائن، وكأنها تحمل أثرا خفيا لما مر عبرها، لتصبح جزءا من ذاكرة لا تخص الفرد وحده وإنما تمتد إلى ما هو أوسع.

وحين نصل إلى لحظة العنف في النهاية، لا تبدو مجرد قطيعة، وإنما انكشافا فجائيا لهشاشة كل ما سبق. كأن النص، في حركته الهادئة، كان يتجه نحو هذه اللحظة دون أن يعلن ذلك. وهنا يتعمق السؤال: هل كان الجمال الذي عشناه في النص نقيا فعلا، أم أنه كان محاطا منذ البداية بإمكانية الانهيار؟ أشعر بأن العنف هنا لا يأتي من الخارج، وإنما يكشف شيئا كان كامنا في بنية التجربة نفسها، كأن الطمأنينة التي عشناها لم تكن سوى سطح رقيق يخفي تحته احتمالا دائما للانكسار.

ما يثيرني أكثر هو أن الطيب لا يمنحنا موقعا مريحا كقراء. لا يقول لنا كيف نفهم، ولا إلى أين ننحاز. وإنما يتركنا في منطقة وسطى، بين الحلم والواقع، بين الحميمي والعنيف، بين المعنى واللا معنى. وهذه المنطقة بالذات هي التي تجعل النص حيا، مفتوحا على قراءات متعددة، وقادرا على أن يعاد اكتشافه في كل قراءة، وكأن المعنى فيه لا يعطى مرة واحدة، وإنما يتشكل في كل مرة نعود إليه.

 

وربما، في النهاية، يمكن القول إن "رحلة حافلية" ليست نصا عن الذهاب إلى مكان، وإنما عن استحالة الوصول ذاتها. ليس لأن الطريق مغلق، وإنما لأن الوجهة نفسها تتلاشى كلما اقتربنا منها. وهنا يعود السؤال الأول، "إلى أين؟"، لا بوصفه سؤال بداية، وإنما بوصفه السؤال الذي لا ينتهي، السؤال الذي يرافقني حتى بعد أن أغلقت النص، وكأنني لم أعد أفكر في وجهة الرحلة، وإنما في معنى أن تكون هناك وجهة أصلا، وفي ما إذا كنت أتحرك نحو شيء محدد، أم أنني أتحرك فقط لأن التوقف لم يعد ممكنا.