'زمن الوحوش المفترسة' وتشريح الذاكرة الإنسانية

الرواية الاسبانية تكشف جذور العنف الكوني في الذاكرة البشرية والجغرافيا المشروخة، عبر ربط فني بين الأدب الإسباني الكلاسيكي وتحوّل الكتابة إلى فعل مقاومة وكشف للتواطؤات الصامتة التي تصنع وحشية العالم المعاصر.

أكتب عن رواية "زمن الوحوش المفترسة" ''Le temps des bêtes féroces'' وأنا أشعر بأنني لا أتعامل مع رواية قرأتها فحسب، إنما مع طبقة كاملة من الذاكرة الإنسانية التي أعادت ترتيب علاقتي بالأدب الإسباني، وبفكرة العنف حين يتحول إلى نظام حياة، وبالكتابة حين تصبح وسيلة للنجاة من تاريخ لا يتوقف عن النزيف.

ليس هذا النص معزولا عن تجربتي الشخصية. زياراتي المتكررة إلى إسبانيا، من مدريد إلى برشلونة إلى الأطراف الأكثر صمتا في الجنوب، جعلتني أقرأ الأدب الإسباني كامتداد للأرض نفسها. الشوارع، المقاهي، الوجوه، حتى الصمت في الأزقة القديمة، تحمل كلها شيئا من ذلك التوتر الذي يسكن روايات فيكتور ديل آربول. هناك دائما إحساس بأن التاريخ قريب جدا من الجلد، وأن ما نراه من حياة يومية هو قشرة رقيقة فوق طبقات من الألم.

بدأ هذا الشغف حين انفتحت على عالم الأديب البيروفي الكبير ماريو بارغاس يوسا، الذي علمني أن الرواية ليست حكاية تروى، إنما معركة فكرية وأخلاقية كاملة. في أعماله، خصوصا حين يقترب من السلطة والفساد والذاكرة السياسية، كنت أكتشف أن السرد قادر على تفكيك العالم وإعادة تركيبه في الوقت نفسه. هذا الإحساس بالكتابة كفعل مقاومة كان حاضرا وأنا أقرأ ديل آربول، وكأن الخط الفاصل بين الرواية والواقع يكاد يختفي تماما.

في رواية "زمن الوحوش المفترسة"، لا يظهر العالم بوصفه خلفية للأحداث، إنما ككائن حي يتنفس داخل كل شخصية. ليست لانزاروت جزيرة فقط، إنها نقطة ارتكاز لخرائط ممتدة من العنف العابر للحدود، حيث لانزاروت والبلقان وفنزويلا والولايات المتحدة لا تظهر كعوالم منفصلة، إنما كامتدادات لجرح واحد يتغير شكله ولا يتغير جوهره، وما يهم هنا ليس التنقل بين القارات إنما الإحساس بأن العنف لم يعد مرتبطا بمكان بعينه، إنما أصبح لغة مشتركة تتقاطع داخل نظام عالمي واحد يعيد إنتاج نفسه باستمرار، وكأن الرواية تقترح أن الخراب لم يعد محليا إنما صار قابلا للتنقل وإعادة التشكل وفق الظروف دون أن يفقد منطقه الداخلي، وبهذا المعنى لا توجد "أوروبا معطوبة" في مقابل عالم سليم أو خارج عنها، إنما توجد جغرافيا إنسانية واحدة مشروخة تتكرر فيها الآليات ذاتها من تواطؤ وصمت وتحويل الإنسان إلى أثر جانبي وإعادة تدوير للألم في صور جديدة. حادث الدهس الذي يفتتح الرواية يبدو في ظاهره تفصيلا جنائيا صغيرا، غير أن هذا التفصيل يتحول إلى بوابة لسؤال أكبر: كيف يمكن لفعل واحد أن يكشف تاريخا كاملا من التواطؤات الصامتة؟

وجدتني أتوقف كثيرا أمام فكرة الجريمة في هذا النص. هل الجريمة حدث منفصل، أم أنها نتيجة طبيعية لبنية عالم كامل؟ هل القاتل فرد، أم أن المجتمع كله يشارك في صناعة لحظة الانفجار؟ لاحقتني هذه الأسئلة وأنا أقرأ، كما لو أن الرواية ترفض أن تُغلق على تفسير واحد.

صوريّا، المفتش المنفي، لا يبدو موظف تحقيق، إنما رجل خرج من نظام فقد معناه. في داخله تعب كثيف، كأن كل إجابة محتملة أصبحت عبئا إضافيا. تقف فيرجينيا في منطقة أخرى من هذا العالم، منطقة تتقاطع فيها العائلة مع السلطة، الحب مع التواطؤ، الصمت مع الضرورة. أما القاتل المجهول، فيتحول تدريجيا إلى مرآة مشروخة للإنسان نفسه، كأن صوته الداخلي هو ما يُسمع عبره، لا صوته الحقيقي.

يذكرني هذا التعدد في الأصوات بأثر الرواية الإسبانية الكلاسيكية الحديثة، حيث لا يوجد صوت واحد يملك الحقيقة. في أعمال ميغيل دي ثربانتس، خصوصا في "دون كيخوتي"، تتوزع الحقيقة بين الوهم والواقع، بين ما نعتقده وما ينهار أمام أعيننا. ديل آربول يعيد إنتاج هذا التوتر بطريقة أكثر قتامة، حيث الوهم ليس حلم فارس، إنما نظام عالمي كامل.

كلما تعمقت في الرواية، كنت أرى أن سؤال الوحشية ليس سؤالا أخلاقيا بسيطا. من هو الوحش؟ هل هو الشخص الذي يضغط على الزناد؟ أم النظام الذي صنع له المبررات؟ أم الذاكرة الجماعية التي قررت أن تنسى ما لا يجب نسيانه؟ يعيدني هذا السؤال إلى تأملات ميغيل دي أونامونو حول الهوية والشك، حين يصبح الإنسان كائنا معلّقا بين يقينه بإنسانيته وخوفه من هشاشتها.

ما يميز هذا العمل في نظري هو أنه لا يمنح القارئ مسافة آمنة. لا توجد نقطة يمكن الوقوف عندها والقول إن الصورة اكتملت. كل طبقة تنكشف تقود إلى طبقة أخرى أكثر تعقيدا. ليس العنف هنا مشهدا، إنما بنية تفكير، طريقة في العيش، شكل من أشكال التعايش مع عالم فقد توازنه منذ زمن بعيد.

في لحظات كثيرة، كنت أشعر بأنني لا أقرأ رواية بوليسية، إنما أتنقل داخل أرشيف من الذاكرة الأوروبية المعطوبة. يطرح هذا الامتداد الجغرافي سؤالا لا يهدأ: هل العنف خاصية محلية، أم لغة كونية يتعلمها البشر بطرق مختلفة؟

ليست الشخصيات في الرواية أدوات سرد، إنما كائنات تحمل تاريخها في حركتها، في صمتها، في ارتباكها الداخلي. فيسنا، الضحية الأولى، تتحول إلى علامة على أن الجسد البشري ليس محايدا أمام التاريخ، إنما هو مساحة تُكتب عليها الحروب حتى بعد انتهائها. يعيدني هذا المعنى إلى ما قرأته في الشعر الإسباني الحديث لدى فيديريكو غارثيا لوركا، حيث الجسد ليس كيانا فرديا فقط، إنما ذاكرة جماعية تنزف بصمت.

أتساءل أحيانا وأنا أقرأ هذا النوع من الأدب: لماذا يجذبني هذا العمق المظلم تحديدا؟ لماذا أشعر بأن الرواية لا تكتمل إلا حين تضعني أمام أسئلتي الخاصة دون أجوبة جاهزة؟ ربما لأن الأدب الإسباني، كما عشته في زياراتي المتكررة، لا يعامل الألم كاستثناء، إنما كجزء من البنية اليومية للعالم. في المقاهي، في الحديث العابر، في نظرة عابرة في مترو مدريد، هناك دائما شيء غير مكتمل، شيء يشبه جرحا مفتوحا لا يريد أن يلتئم تماما.

يكتب فيكتور ديل آربول داخل هذا الامتداد الثقافي، غير أنه يدفعه نحو أقصى درجات القسوة. ليست الكتابة عنده تزيينا للعالم، إنما كشف لما تم إخفاؤه طويلا. تسير كل شخصية في الرواية محملة بما لم تختره، وكأن الحرية نفسها سؤال مؤجل.

حين وصلت إلى نهاية الرواية، لم أشعر بأنني خرجت من قصة، إنما من تجربة فكرية ثقيلة. يبقى في داخلي سؤال يتكرر بإلحاح: إذا كان الإنسان قادرا على تبرير كل شيء، أين تبدأ إنسانيته فعلا؟ وهل يمكن للذاكرة أن تكون خلاصا، أم أنها شكل آخر من أشكال العذاب؟

أغلقت الرواية وشعرت بأنني لا أستطيع فصلها عن كل ما أحببته في الأدب المكتوب باللغة الإسبانية، من ثربانتس إلى أونامونو إلى لوركا، وصولا إلى بارغاس يوسا الذي فتح لي الباب الأول نحو هذا العالم. جميعهم كانوا يلمسون هذه المنطقة الحساسة بين الإنسان وظله.

ليست "زمن الوحوش المفترسة" مجرد رواية عن الجريمة، إنما مرآة ممتدة تعكس السؤال الأقدم: ماذا يتبقى من الإنسان حين يتعلم كيف يعيش مع الوحش داخله دون أن يعترف بوجوده؟