'أسابيع الحديقة': لوركا في مرآة غويتيسولو المكسورة
تبدأ رواية Las semanas del jardín (أسابيع الحديقة) لخوان غويتيسولو، التي قرأتها بالفرنسية تحت عنوان Trois semaines en ce jardin (ثلاثة أسابيع في هذه الحديقة)، من واقعة تاريخية دامية تخص فيديريكو غارسيا لوركا. ذلك الشاعر الذي عاد إلى غرناطة في بدايات الحرب الأهلية الإسبانية وهو يدرك تماما حجم الخطر الذي يحيط به، فاعتُقل وقُتل ورُمي جسده في قبر جماعي، لتنتهي حياة أحد أبرز أصوات الشعر في القرن العشرين وهو في ذروة عطائه. غير أن هذه الرواية لا تكتفي باستحضار هذا المصير، إنما تنطلق من افتراض مغاير تماما، افتراض يعيد فتح التاريخ على احتمالات أخرى، حيث يُتخيَّل أن هذا الشاعر لم يُقتل، وأنه نجا بطريقة ما، ووجد نفسه منفيا في فضاء آخر، معتقلا داخل مصح في المغرب، عالقا بين خيارين لا يقل أحدهما قسوة عن الآخر: الهروب نحو المجهول أو البقاء داخل نظام يسلبه حريته ويعيد تشكيله.
ليس هذا الافتراض مجرد لعبة سردية، إنما هو مدخل للتفكير في مصير الشاعر حين يُسلب من ذاته، حين يُجبر على التكيف مع سلطة قمعية، أو حين يفر إلى فضاء غريب يفقد فيه كل مرجعياته. الشخصية التي تحمل هذا العبء في الرواية، إيوسيبيو، ليست لوركا حرفيا، ومع ذلك تتقاطع معه في عناصر حاسمة: شاعر، مهمش، ملاحَق، يختفي في لحظة تاريخية حاسمة. يجعل هذا التشابه الرواية نوعا من التأمل في ما كان يمكن أن يحدث لو لم يُقتل لوركا، لو استمر في الحياة تحت شروط أخرى، هل كان سيبقى شاعرا، أم كان سيتحول إلى شيء مختلف تماما؟
تبنى الرواية على إطار سردي مميز، حيث تستعاد شخصية إيوسيبيو بعد عقود من اختفائه من خلال مجموعة من القراء في مراكش، يعثرون على أثره الوحيد: ديوانان شعريان مختلفان في الأسلوب بشكل لافت. يصبح هذا الاختلاف نقطة انطلاق لتفكيك الشخصية إلى مسارات متعددة، إذ يقرر هؤلاء القراء أن يحولوا البحث عن الحقيقة إلى لعبة أدبية، فيتولى كل واحد منهم تخيل جزء من حياة الشاعر، وفق رؤيته الخاصة، دون التقيد بحبكة موحدة أو مسار محدد.
بهذا الشكل، تتحوّل شخصية إيوسيبيو إلى مرآة مكسورة، تتوزع صورتها على عدد كبير من الشظايا، تعكس كل واحدة احتمالا مختلفا. لا تعود هناك سيرة واحدة يمكن تتبعها، إنمل مجموعة من السير الممكنة، تتناقض أحيانا وتتقاطع أحيانا أخرى. لا يؤدي هذا التعدد إلى وضوح أكبر، إنما إلى تعقيد متزايد، حيث يصبح الغموض هو النتيجة النهائية.
من بين هذه المسارات، يتشكل خطان رئيسيان: الأول يتخيل أن الشاعر هرب من المصح واختفى في المغرب، متحولا تدريجيا إلى كائن أسطوري، تتناقل حوله الحكايات، ويتلاشى وجوده الواقعي لصالح صورة شاعر ضائع في فضاءات شرق حكائي يتشكل في المخيلة، يتماهى مع الأساطير، وربما يتحول إلى صوفي أو مغامر أو ظل يتنقل بين الحكايات. في هذا الخط، يتفكك الواقع لصالح الخيال، ويتحول الشاعر إلى فكرة أكثر منه إنسانا.
أما الخط الثاني فيتجه في الاتجاه المعاكس، حيث يُتصور أن إيوسيبيو لم يهرب، ولكن خضع، دخل في علاقة مع السلطة، وبدأ يفقد ذاته تدريجيا، حتى يصل إلى حالة من الإنكار الكامل، يخون فيها ماضيه، ويتحول إلى شخص آخر، قد يكون مخبرا أو أداة ضمن النظام الذي كان يطارده. هنا لا يحدث الاختفاء عبر الأسطورة، إنما عبر الذوبان في الواقع القاسي، حيث يتلاشى الإنسان من الداخل.
لا يشكل هذان المساران روايتين منفصلتين، إنهما يعكسان توترا عميقا بين فضاءين: فضاء المغرب بوصفه مجالا للتيه والخيال والانفتاح، وفضاء إسبانيا بوصفه مجالا للانغلاق والسيطرة والواقع السياسي الصارم. يعكس هذا التوتر أيضا تجربة الكاتب نفسه، الذي عاش منفى اختياريا وانتقد النظام السياسي في بلده، ما يجعل الرواية تحمل بعدا ذاتيا خفيا، يتداخل مع البناء التخييلي.
يوحي التعدد في الأصوات داخل الرواية في الظاهر بمحاولة لتجاوز فكرة المؤلف الواحد، وكأن النص يُكتب جماعيا، وكأن الحقيقة لا يمكن أن تُختزل في صوت واحد. غير أن هذا التعدد يخفي وحدة أعمق، حيث تتشابه الرؤى في خلفيتها الفكرية، وتظهر بصمة الكاتب في كل التفاصيل، مما يجعل فكرة التعدد أقرب إلى قناع منه إلى واقع فعلي. يشعر القارئ بأنه أمام أصوات متعددة، ومع ذلك يدرك أن هناك وعيا واحدا ينظمها من الخلف.
تفتح هذه المفارقة سؤالا حول طبيعة الكتابة نفسها: هل يمكن فعلا التخلص من سلطة المؤلف؟ أم أن كل محاولة للتعدد تظل محكومة بوحدة خفية؟ لا تقدم الرواية جوابا مباشرا، لكنها تكشف حدود هذا الطموح، حيث يبدو أن تعدد الحكايات لا يلغي حضور الكاتب، إنما يعيد صياغته في شكل أكثر تعقيدا.
تتكشف فكرة أساسية في قلب هذا البناء: لا يؤدي البحث عن الحقيقة إلى نتيجة واحدة، ولكن إلى سلسلة من الاحتمالات. لا يستعاد الشاعر المختفي، إنما يتحول إلى لغز مفتوح، إلى مساحة للتأويل، إلى كائن يتشكل في كل قراءة بطريقة مختلفة. هذا لا يعني أن الحقيقة غير موجودة، إنخ يعني أنها لم تعد قابلة للإمساك بها.
كل حكاية من الحكايات التي ينسجها القراء هي محاولة لفهم هذا الغياب، محاولة تبقى ناقصة، محدودة، مشروطة بخيال صاحبها. ليست النتيجة صورة متكاملة، إنها شبكة من الصور، لا يمكن جمعها في شكل نهائي. بهذا المعنى، تصبح الرواية تأملا في طبيعة السرد نفسه، في قدرته على الكشف وفي حدوده في الوقت ذاته.
في النهاية، يتضح أن مصير إيوسيبيو، في جميع الاحتمالات، يتجه نحو الضياع، سواء تحقق هذا الضياع في الحرية أو في الخضوع، في الأسطورة أو في الواقع، في التمرد أو في الإنكار. يكشف هذا التوازي بين المصيرين رؤية عميقة، حيث لا يوجد طريق يضمن الخلاص، وكل اختيار يحمل داخله شكلا من أشكال الفقد.
وراء هذا البناء المتشعب، تظهر أيضا رغبة في استعادة تقاليد أدبية قديمة، حيث الحكايات تتداخل، والأصوات تتعدد، والحدود بين الحقيقة والخيال تصبح غير واضحة، في صدى لأعمال ميغيل دي ثيربانتس وخورخي لويس بورخيس ويان بوتوتسكي، حيث الأدب لا يقدم إجابات، إنمل يفتح متاهات.
ليست الرواية في جوهرها بحثا عن سيرة شاعر مفقود، إنها تجربة في تفكيك فكرة السيرة نفسها، في إظهار أن الإنسان لا يُختزل في قصة واحدة، وأن الهوية ليست ثابتة، إنما قابلة للتشظي إلى عدد لا نهائي من الإمكانات. لا يؤدي هذا التشظي إلى وضوح، ولكن إلى اتساع، إلى فضاء مفتوح لا نهاية له، حيث يصبح الغموض هو الشكل النهائي للمعرفة.