حسين جلعاد في 'ورود يوم القيامة': صرخة صامتة في وجه زمن الإبادة

الحوار مع الشاعر حسين جلعاد يتناول فلسفة ديوانه الأحدث، مسلطا الضوء على رغبته في تحويل فظاعة الفقد إلى فعل مقاومة جمالي يحمي ذاكرة الضحايا وتفاصيل حيواتهم المبعثرة تحت الركام، بعيدا عن الرصد الإخباري الجاف.

غزة في الديوان الأحدث للشاعر الأردني حسين جلعاد "ورود يوم القيامة"، ليست ساحة حرب، بل هي "قيامة يومية" تلدُ ورودها من بين الركام. هنا، تغادر القصيدة لغة الأرقام والمراقبة لتسكن "التفاصيل اليتيمة"؛ فتحرس خزانة الثياب الهاوية، وأحواض النعناع المتربة، وأحلام الصغار الذاهبين إلى السماء في "عربات الملائكة".

لا يوثق جلعاد الابادة/الموت الجماعي، بل يحمي "الأرواح" التي لا تدركها الكاميرا؛ يعيد صياغة "الفجيعة" ككيان وجودي ينمو في أحواض النعناع وعلى حبال الغسيل. إنه ينحاز صراحةً إلى "حراسة التفاصيل" الصغيرة التي يغفلها رادار الكاميرا وتطمسها أرقام الإحصائيات؛ فغزة في هذا العمل ليست شعاراً سياسياً، بل هي "خزائن ثياب" تهوي، و"أحذية" تبعثرت تحت الركام، و"بقايا صلاة" تُحمل في أكياس سوداء.

في هذا الحوار مع جلعاد تتكشف الكثير من الأسرار التي اعتملت في روح الشاعر وضميره فكان ديوانه الصادر عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع.

ما السر وراء هذه الثنائية الصادمة في عنوان "ورود يوم القيامة"، وكيف تلخص من خلالها مشهد الموت والبعث في غزة؟

إن هذه الثنائية هي جوهر المأساة والمعجزة في آن واحد. حين اخترت "ورود يوم القيامة" عنواناً للديوان، كنت أحاول القبض على تلك اللحظة التي يمتزج فيها الدم بالورد، والفناء بالانبعاث.

هذه الثنائية تختصر حالة غزة اليوم؛ فـ "القيامة"هنا ليست مجرد مفهوم ميتافزيقي مؤجل، بل هي حالة يومية يعيشها الناس تحت القصف، حيث تهوي "خزائن الثياب" وتتناثر "الأحذية تحت ركام المنازل". أما "الورود"، فهي الاستعارة التي تليق بهؤلاء الضحايا الذين "يذهبون إلى الله في عربات الملائكة، ويعودون إلى الأرض في حبات المطر".

أردت من هذا العنوان أن أقول إن الجمال في غزة لا ينفصل عن التضحية؛ فالوردة التي تنبت من الركام هي الدليل الأقوى على هزيمة الفناء. في الديوان، أنا لا أرصد الموت كمعطى نهائي، بل أرصده كممر للخلود، حيث يضحك الصغار في "بيتهم الجديد عند باب السماء". القيامة في الديوان هي قيامة شعب ينهض على ركبتيه ليرتب "الصباح والبحر وزرقة وجوه الأطفال"، ليعلن أن "بلاغة الأرض" أقوى من ترسانة المحو.

في هذا الديوان، تحضر الحياة اليومية في غزّة.. كيف كتبتها من الداخل، لا من موقع المراقب؟

الحقيقة أن هذا السؤال يلمس شيئاً أساسياً في طريقة كتابة الديوان. أنا لم أكن مراقباً. لم أكن أقف خلف زجاج وأصف ما يجري. كنت أحاول أن أسكن اللحظة، أن أدخل البيت قبل أن يسقط، أن أجلس مع الجد الذي يعقد يديه خلف ظهره ويمشي تحت ظلال الوقت، أن أشمّ رائحة أحواض النعناع قبل أن تطمرها الأتربة.

الكتابة من الداخل تعني أن تبدأ بالتفصيلة الصغيرة، لا بالصورة الكبيرة. الخبر يبدأ من الأعلى، من الأرقام، من الإحصاء. القصيدة تبدأ من الحذاء الذي بقي تحت الركام. من جديلة البنت التي كانت تلمّها قبل الصلاة. من وقع خطوات أب يعود متأخراً بعد المغيب. هذه التفاصيل لا يملكها إلا من يحبّ، لا من يراقب.

ربما السر أنني لم أكتب عن ضحايا. كتبت عن ناس. والفرق بين الاثنين هو كل الفرق في العالم. الضحية رقم في نشرة الأخبار. الناس لهم صوت يضحك، ولهم طريقة يحملون فيها الهاتف بين الأذن والكتف وأيديهم مشغولة. لهم ذاكرة تشمّ الشوكولاتة الداكنة ولا تنسى.

الكتابة من الداخل أيضاً تعني أن تقبل الخسارة داخلك أنت، لا أن تسجّلها من بعيد. وهذا مؤلم. لكنه الثمن الوحيد الذي تستحق القصيدة أن تُدفع.

ألم تخش أن تفقد القصيدة شاعريتها حين تُكتب تحت وطأة الحدث المباشر؟ وكيف نجوت من فخ الخطابية في هذا الديوان؟

بالتأكيد، كان هذا التوجس حاضراً، لكنني لم أهجر "وطأة الحدث" بل احتفيت بها بصفتها لحظة الحقيقة العارية. في "ورود يوم القيامة"، لم أهتم بكتابة "تاريخ" للحرب بقدر ما اهتممت بكتابة "أثرها" في الروح الإنسانية. نعم، الديوان كُتب تحت وطأة الحدث، لكن الفارق يكمن في كيفية تحويل هذه "الوطأة" من مادة إخبارية عابرة إلى نص جمالي باقٍ. لقد تعمدتُ الهروب من فخ الخطابية والشعارات الزاعقة، وذهبتُ بدلاً من ذلك إلى "حراسة التفاصيل"؛ إلى النوافذ، وأحواض النعناع، وأسنان الجيش التي تناثرت، وضجيج الطائرات الخفية.

إن الشعر في مثل هذه اللحظات هو خندقنا الأخير. كنت أخشى فقط ألا أكون بمستوى جلال هذه التضحية، لذلك كانت الكتابة نوعاً من "اللهو المر" بالكلام؛ لهوٌ يحاول أن يرمم ما هدمه الركام، ويحول الفناء إلى "قيامة" جمالية. العمل لم يُكتب ليكون صدىً للحدث، بل ليكون "حارساً" لذاكرته من المحو، فالتاريخ ينصت الآن لصوت غزة الخشن، وكان على القصيدة أن تلتقط هذا التردد وتعيد صياغته بـ "بلاغة الأرض" التي لا تُهزم.

الديوان غني بالتفاصيل اليومية والحميمية حتى يشعر القارئ بأن القصيدة تحمل في طياتها صوتاً فردياً بدلاً من الجماعي، وهو ما لم نعتده في ما يُكتب عن أحداث كبرى وتجارب جماعية.. هل تقصّدت ذلك؟

نعم، تقصدتُ ذلك تماماً وبإصرار. في التجارب الكبرى والملاحم الإنسانية، غالباً ما يطغى "الصوت الجماعي" والنشيد الصاخب، مما قد يؤدي – دون قصد – إلى تذويب ملامح الإنسان الفرد وتحويله إلى مجرد رقم أو رمز مجرد.

أردت في "ورود يوم القيامة" أن أعيد الاعتبار "للفرد"؛ لأن غزة ليست كتلة صماء من البشر، بل هي حيوات فردية، وأحلام شخصية، وتفاصيل حميمية جداً. حين أكتب عن "خزائن الثياب" التي تهوي، أو "الأحذية" التي تسقط تحت الركام، أو "أحواض النعناع" على الشرفات، فأنا أحاول حراسة تلك الخصوصية الإنسانية التي يحاول المحو العسكري طمسها.

إن الصوت الفردي في الديوان هو الذي يمنح التجربة صدقها الوجودي. الصمود الجماعي العظيم هو في المحصلة مجموع صمود أفراد يغالبون خوفهم، ويرتبون "نوافذهم" و"صباحاتهم" وسط الموت. عندما أقول: "ألهو بالكلام لأدفع الموت عني"، فأنا أتحدث بلسان الفرد الذي يواجه مصيره وحيداً أمام آلة عملاقة، وبصوت الصديق الذي يعد أصدقاءه الراحلين واحداً واحداً.

في هذا الديوان، القصيدة هي البيت الشخصي الذي لا يدخله الغرباء، والوجوه فيه لها أسماء وملامح وزرقة خاصة. لقد آمنتُ بأن الذهاب إلى "الجماعي" يمر حتماً عبر "الحميمي"؛ فبقدر ما نخلص لتفاصيل الإنسان الصغير، نصل إلى جوهر القضية الكبرى. غزة في ديواني ليست "شعاراً"، بل هي "كائن" يتألم ويحب ويضحك عند باب السماء، وهذا لا يتحقق إلا بالانحياز للصوت الفردي الذي يهمس بالحقيقة وسط ضجيج الحرب.

كيف وازنت بين الرهافة الشعرية وفداحة المجزرة؛ ألم تخشَ أن يتحول موت الناس في قصائدك إلى 'مشهد جمالي' للاستهلاك الثقافي، وما الذي يمنع القصيدة من أن تكون خيانة في حضرة الصمت؟

الرهافة الشعرية هي نقيض الحرب. أنت تعرف الشيء بضده. هذا سؤال يقلقني منذ كتبت السطر الأول. لأن الخوف الحقيقي للشاعر في مواجهة حرب كهذه ليس أن يفشل في الوصف، بل أن تصف الأمر بطريقة خاطئة. أن تكون القصيدة جميلة بينما الناس يموتون. أن تتحول الفظاعة إلى مشهد، والمشهد إلى جماليات، والجماليات إلى نوع من الاستهلاك الثقافي المريح.

هذا الخوف هو الذي شكّل الديوان من الداخل. قلت لنفسي منذ البداية: لن أصرخ. لأن الصراخ يريح الكاتب ولا يفعل شيئاً للقارئ. الرهافة ليست ضعفاً ولا ترفاً، هي الطريقة الوحيدة التي تجعل القارئ يشعر بثقل ما يقرأ بدلاً من أن يتفرّج عليه. حين تكتب "في المشرحة أعطوني كيساً فيه 18 كيلو لحماً، قالوا لي: هذا ابنك"، لا تحتاج إلى صرخة. الجملة نفسها هي الصرخة، لكنها صرخة صامتة تسكن في القارئ ولا تغادره.

الرهافة تنجح حين تجعل الفظاعة شخصية، لا عامة. حين تحوّل الإحصاء إلى وجه. وجه واحد يحمل اسماً وطريقة في الضحك وعادة في النوم. هذا الوجه الواحد أشد فتكاً بالوجدان من عشرة آلاف رقم. لكنني لن أدّعي أن الشعر ينجح دائماً. أحياناً تقف أمام ما جرى في غزة وتشعر أن اللغة كلها قاصرة، أن الكلمات اخترعها بشر لحياة طبيعية، وما يجري هناك تجاوز كل ما للغة طاقة على حمله. في تلك اللحظات كنت أكتب لا لأن الشعر يكفي، بل لأن الصمت أشد خيانةً.

الرهافة إذن ليست الحل، لكنها الشهادة الأمينة. وهذا يكفيني.

يقال إن كل ديوان شعر يرتكز في جوهره على صورة واحدة مهيمنة؛ فهل هناك مشهد بعينه سكن مخيلتك ولم يغادرك حتى صار هو عصب الديوان؟

نعم. وأنا سعيد أنك سألت هذا السؤال تحديداً. نعم الكيس الأسود.

هناك صورة لم تفارقني منذ اللحظة التي رأيتها، وأظنها في مكان ما تسكن في عظم الديوان كله. رجل في غزة يحمل كيساً من النايلون الأسود. ليس كيس بضاعة، ليس كيس ملابس. كيس فيه أشلاء. وهو يمشي به في الشارع كمن يحمل شيئاً ثميناً، بتلك الحنية التي يحمل بها الإنسان ما يخاف أن يسقط. هذه الصورة أوقفتني تماماً.

لأنها في لحظة واحدة تحمل كل شيء: الحب والموت والخسارة والكرامة في آن واحد. هذا الرجل لم يتوقف عن كونه أباً أو أخاً أو ابناً في اللحظة التي لم يبقَ فيها من أهله إلا ما في الكيس. الكيس الأسود أصبح بيتاً. أصبح العائلة كلها. من هنا جاءت الأم التي تحمل في أكياس سوداء ما تبقى من صلاتها وأشلاء أطفالها. لم أخترع شيئاً. أخذت ما رأيت ووضعته في القصيدة بأمانة، كما يضع الشاهد يده على المصحف.

الصور التي لا تفارقك هي التي تكتب الديوان، أنت فقط تمسك القلم.

في زمن البث المباشر، حيث تُنقل المجازر صوتاً وصورة في لحظتها، ألا تعتقد أن كاميرا الهاتف قد سحبت البساط من تحت ريشة الشاعر؟ وبصراحة.. ما الذي يمكن أن يضيفه ديوان شعر لواقع مفضوح وموثق سلفاً بكل تفاصيله؟

سؤال عميق، وأنا أسمعه كثيراً، وفي كل مرة أسمعه أشعر أنه يحمل في داخله إجابته. 

نعم، كل شيء موثّق. الكاميرا في كل يد، والمقطع ينتشر في ثوانٍ، والعالم كله يرى. لكن دعيني أسألك: هل توقف أحد؟ هل تغيّر شيء؟ التوثيق وحده لم يُنقذ طفلاً واحداً في غزة. لأن التوثيق يخاطب العين، والقصيدة تخاطب شيئاً أعمق من العين.

الفرق بين الصورة والقصيدة أن الصورة تُريك ما جرى، والقصيدة تجعلك تشعر بثقل ما جرى من الداخل. الصورة تمر، والقصيدة تسكن. نحن اليوم نعيش في فيض هائل من الصور حتى أصبحنا مخدّرين. نرى الفظاعة ونمرر الإصبع إلى الصورة التالية. القصيدة هي الشيء الوحيد الذي يقاوم هذا التمرير، لأنها تطلب منك أن تتوقف.

أما سؤالك عن تغيّر دور الشعر بحسب الزمان والمكان، فأظن الجواب نعم ولا في آنٍ معاً. دور الشعر الجوهري لم يتغير منذ هوميروس: أن يحفظ الإنسان من النسيان، أن يمنح المعاناة اسماً، أن يقول للذي مات "أنت لن تُنسى". لكن الطريقة تتغير. اليوم الشعر لا يحتاج أن يروي لأن الرواية موجودة في كل مكان. اليوم الشعر مدعوٌّ إلى أن يفعل ما لا تستطيعه الكاميرا، أي أن يذهب إلى الداخل، إلى المكان الذي لا تصله العدسة، إلى اللحظة التي يبقى فيها الإنسان وحده مع نفسه في الظلام.

التوثيق يحفظ الحدث. الشعر يحفظ الروح. وحفظ الروح في زمن الإبادة هو فعل مقاومة.

بين ما كتبتَ في الشعر وفي السرد، وفي النقد الأدبي.. هل يمكن أن نقول إنك منحاز إلى القصيدة؟

بكل صراحة، نعم. منحاز. ومن غير اعتذار.

الرواية تبني عالماً. والنقد يفكّك عالماً. لكن القصيدة هي اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام نفسه عارياً تماماً، بلا حبكة تحميه، وبلا حجج تسنده. القصيدة لا تتيح لك أن تختبئ. أنا كتبت القصة وأحببتها. وكتبت النقد واحترمته. لكن حين يضيق بي شيء لا أعرف اسمه، حين يحدث في العالم ما يتجاوز طاقة الكلام العادي، لا أذهب إلى السرد ولا إلى النقد. أذهب إلى القصيدة. كأنها البيت الأول الذي تعود إليه حين يشتد البرد.

وربما هذا هو الفرق الحقيقي. السرد تخطّط له، والنقد تبنيه، لكن القصيدة تأتيك. أو بالأدق، أنت تذهب إليها في اللحظات التي لا تملك فيها خياراً آخر.

"ورود يوم القيامة" لم أخطّط له. غزة فرضته. والشكل الوحيد الذي كان قادراً على احتمال ذلك الثقل كان القصيدة، لأن القصيدة وحدها تستطيع أن تصمت في المكان الصحيح، أن تترك فراغاً بين سطر وسطر يملأه القارئ بما يحمله هو من ألم.

لكنني أقول شيئاً آخر أيضاً، إن انحيازي للقصيدة لم يجعلني أحتقر الأجناس الأخرى. أحياناً الحقيقة تحتاج مساحة لا تتسع لها القصيدة فتذهب إلى القصة. وأحياناً تحتاج حجة فتذهب إلى النقد. لكن حين تحتاج أن تصل إلى قلب إنسان في أقصر طريق ممكن، لا شيء يفعل ما تفعله القصيدة.

القصيدة هي البصمة الوراثية للمأساة؛ كل الوسائل الأخرى تصف جسد الحدث، أما الشعر فهو يحمل شيفرة روحه التي لا تتغير بمرور الزمن.