من مسودة الرواية إلى ملحمة 'كامويس'
أعمل منذ شهور على كتابة رواية تدور أحداثها في القرن الثامن عشر، وهي رواية أتناول فيها رحلات عبر البحر واستكشافات بعيدة، وقد أنهيت كتابة مسودتها الأولى قبل أسبوعين. في سياق هذا العمل، كان إلى جانب مكتبي كتابان لا يفارقانني: أحدهما عن ملوك فرنسا، والآخر عن كبار المستكشفين. كنت أعود إليهما مرارا دون ملل، وأعيش من خلال صفحاتهما في عالم واسع يتجاوز حدود الواقع الضيق.
رافقت شخصيات مثل ابن بطوطة وويليام روبروك وجيوفاني دا بيان ديل كاربين، وتتبعت رحلات فاسكو دا غاما وفرناندو ماجلان وهيرنان كورتيس. عرفت تفاصيل رحلات كريستوفر كولومبوس، وتعاملت بحذر مع روايات ماركو بولو، وراقبت بشغف تطور الخرائط التي كانت تجمع بين الدقة والأسطورة في آن واحد. استأت من الجغرافي مارتن فالدسمولر الذي نسب اكتشافات إلى أمريكو فسبوتشي بدل كولومبوس، وحلمت بالإبحار في المحيط الأطلسي، واكتشاف جزر مجهولة وكائنات عجيبة. كنت أتطلع إلى العثور على مملكة الكاهن يوحنا وبلاد "كاثاي" الأسطورية، وأحزن لنهايات المستكشفين المأساوية مثل فرناندو ماجلان وجيمس كوك وجان-فرانسوا دو لا بيروز.
ورغم إدراكي أن هذه المغامرات كانت ولا زالت مرتبطة أيضا بتاريخ استعماري مليء بالجرائم، إلا أنني احتفظت لها داخلي بسحر خاص لا يمكن إنكاره. كنت مفتونا بالخرائط الناقصة والمناطق المجهولة والبعثات التي اختفت، مع علمي في الوقت نفسه أن زمن الاكتشافات الكبرى قد انتهى، وأن العالم صار معروفا ومقسما.
هذا الإعجاب بعصر الاكتشافات، الذي مثّل تحولا كبيرا في تاريخ أوروبا وتجاوزا لإنجازات الحضارات القديمة، عبّر عنه في القرن السادس عشر الشاعر البرتغالي لويس دي كامويس في ملحمته الشهيرة ''اللوسياد'' Les Lusiades. من اللافت دائما أن نقرأ عملا مشهورا ونكتشف كيف بُني فعليا، خاصة أن الشعر الملحمي لم يعد يجذب القارئ المعاصر كثيرا. وقد سبق أن قرأت ملحمة القدس المحررة لـتوركواتو تاسو، ولاحظت فيها طابعا خياليا أقرب إلى العصور الوسطى، حيث تختلط الحقيقة بالأسطورة وتغلب الأجواء السحرية على السرد التاريخي.
كنت أتوقع أن أجد عند كامويس الأسلوب نفسه، أي مزجا بين الشخصيات الواقعية والأسطورية والآلهة القديمة. قد تعطي القراءة السطحية هذا الانطباع. فالملحمة تروي رحلة فاسكو دا غاما إلى الهند عام 1497، حيث ينطلق من لشبونة ويصل إلى السواحل الهندية بعد أقل من عام. خلال الرحلة، تحميه الإلهة فينوس بينما يعاديه الإله باخوس، ويواجه هو ورفاقه مؤامرات ومخاطر مختلفة قبل أن يعودوا منتصرين. كمكافأة، يحصلون على راحة في "جزيرة الحب"، حيث تكشف لهم حورية عن مستقبل البرتغال في الشرق.
تنتمي هذه العناصر بوضوح إلى تقاليد الشعر الملحمي: حضور الآلهة، تمجيد البطولة، والاعتماد على الموروث الكلاسيكي. مع ذلك، فإن "اللوسياد" ليست ملحمة تقليدية.
عند التعمق في النص، يتبين أن كامويس لا يركز على الأفعال بقدر ما يركز على الكلام. الأحداث نفسها محدودة نسبيا، بينما تحتل الخطب والسرديات المطولة الجزء الأكبر من العمل. تتحدث الشخصيات أكثر مما تفعل، وتستعرض تاريخ البرتغال ومستقبلها من خلال مونولوجات طويلة.
تتداخل في النص ثلاثة مستويات: نقاشات الآلهة حول الرحلة، مجريات الرحلة نفسها، والخطب التي ترافقها. يكاد الزمن الحاضر أن يختفي لصالح الماضي والمستقبل، حيث تتحول الملحمة إلى تأمل في تاريخ البرتغال ومصيرها. يتحول هنا فاسكو دا غاما، الذي كان في الواقع رجلا قليل الكلام، إلى راو يسرد تاريخ بلاده في مقاطع طويلة جدا تشكل جزءا كبيرا من العمل. يروي نشأة المملكة البرتغالية، وحروب الاسترداد، وصعود السلالات الحاكمة، وصولا إلى عصر الاكتشافات.
تظهر أهمية الخطاب مرة أخرى عندما يدافع دا غاما عن نفسه ضد اتهامات بالقرصنة، أو عندما يصف شقيقه باولو تاريخ البرتغال من خلال مشاهد مصورة. حتى الحورية التي تظهر في النهاية لا تفعل شيئا بقدر ما تتنبأ بالمستقبل. وهكذا يصبح الكلام الوسيلة الأساسية لبناء المعنى، بينما تتحول الأفعال إلى مجرد إطار.
لا تتدخل الآلهة نفسها إلا من خلال الكلام: باخوس يحرض، فينوس تدافع، وجوبيتر يحكم. ومع ذلك، يعترف الشاعر بأن هذه الآلهة ليست سوى رموز أدبية، وأن وجودها يخدم غرضا فنيا أكثر منه عقائديا. فهي تضيف بعدا أسطوريا للنص دون أن تغير من جوهره الواقعي.
تتجاوز "اللوسياد" كونها مجرد قصة رحلة، لتصبح تأملا في دور الإنسان في العالم. الإنسان، رغم صغره، قادر على تجاوز الحدود المفروضة عليه، واكتشاف عوالم جديدة، وفرض نفسه في التاريخ. تمجد الملحمة هذا الطموح، وتحتفي بروح المغامرة التي دفعت البرتغاليين إلى عبور البحار.
غير أن هذه الرؤية لا تخلو من مفارقة. فالشعر ينتهي بمديح للملك سيباستيان الأول ملك البرتغال، الذي كان يُنظر إليه كأمل لمستقبل عظيم، لكنه قاد بلاده لاحقا إلى كارثة عسكرية في المغرب أدت إلى فقدان استقلالها فترة. وهكذا يتحول الحلم بالمجد إلى ذكرى مؤلمة، وتصبح الملحمة نفسها شاهدا على طموح لم يكتمل.
في النهاية، يمكن القول إن كامويس لم يكتب فقط عن الاكتشافات، وإنما عن الحلم الإنساني بتجاوز الحدود، وعن العلاقة بين الواقع والخيال، بين التاريخ والأسطورة. ليست "اللوسياد" مجرد ملحمة وطنية، إنها نص يعكس لحظة تاريخية كان فيها الإنسان يكتشف العالم ويعيد اكتشاف نفسه في الوقت ذاته.