نزع القدسية عن الصراع: المدخل لاستقرار المنطقة
تعيش منطقة الشرق الأوسط داخل دائرة جهنمية من صراعات لا تنتهي، أغلبها في المنطقة العربية، حتى إن بعضها على وشك أن تحل ذكراه المئوية. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا نجد أنفسنا نسقط من صراع إلى آخر دون نهاية منطقية لهذا المنحدر؟ صحيح، النزاع والخلاف طبيعة بشرية وفطرة إنسانية، لها جذور تاريخية وعقائدية وجغرافية، لكن الكثير منها يمكن تجاوزه إذا توفرت رؤية مشتركة حول التعايش والمصالح المتبادلة ومع ذلك، يبدو أن هذه الرؤية موجودة نظريًا أكثر منها عمليًا.
المشكلة تبدأ من طريقة إدارة الذاكرة الجمعية للصراعات، التي تختلف باختلاف طبيعة تأطيرها في الخطاب العام. مثال على ذلك، علاقة الدول العربية التي احتلها الاستعمار الغربي، ورغم قسوة التجربة خاصة في دول المغرب العربي وليبيا، فإن العلاقات بينها تطورت لاحقًا إلى مستويات استراتيجية، دون أن يتحول ذلك إلى صراع دائم على الدين أو الهوية في الوعي الجمعي.
على الجانب الآخر، في حالة الصراع العربي الإسرائيلي، طغت على الخطاب العام في كثير من مراحله أبعاد تاريخية ودينية وعقائدية متشابكة أكثر من أبعاد السياسة والهوية. هذا التداخل ساهم في تعقيد مسارات التسوية، وجعل الصراع أكثر حضورًا في الوعي الجمعي عبر الأجيال، مقارنة بصراعات أخرى ذات طابع استعماري انتهت إلى علاقات طبيعية نسبيًا.
ولا يعني ذلك بالتأكيد تجاهل طبيعة الاحتلال وجرائمه وتبعاتها، بل الإشارة إلى أن بناء السرديات المقدسة من الجانبين سواء من خلال التأويلات الدينية للأرض والحقوق، أو من خلال ربط الصراع بالهوية الوجودية قد عزز من استمراريته في الذاكرة والسياسة معًا.
الحكومات والأنظمة، إذا أرادت أن تستقطب الشعوب وتحفزها، تضفي على النزاع الصبغة الدينية، وهناك دائمًا مؤسسات دينية ودعوية جاهزة لاستخراج الحجج والبراهين من الكتب المقدسة، وتسوقها للجماهير بما يؤكد رؤية الدولة.
الرئيس الراحل محمد أنور السادات أحد أبرز الأمثلة التي دفعت ثمن هذا التوجه؛ فقد خاض حربًا كبرى مع إسرائيل، وحرر جزءًا من الأرض، واسترد ما تبقى منها بتوقيع اتفاقية سلام، إلا أنه تعرض لاغتيال في 1981 على يد جماعات متطرفة استندت إلى فتاوى دينية اعتبرت السلام "خيانة"، لأنه وضع يده في يد من "لا عهد لهم ولا إيمان"، طبعًا إلى جانب أسباب سياسية واقتصادية أخرى، لكن السبب المباشر كان تأويل وتفسير النص المقدس على غير صحيحه.
بمجرد صبغ أي نزاع بالدين، تصبح أسبابه مقدسة لا تجوز المساس بها، والخلاف ينتقل إلى صراع بين الحق والباطل. في هذه اللحظة يسقط مبدأ النسبية من المعادلة السياسية التي تقوم على أن كل شيء نسبي وقابل للتفاوض، ويحل الدين بقانونه الشرعي أن "الحق مطلق والباطل مطلق". وتصبح الحرب "جهادًا" يمكن أن يقود منكره إلى جهنم وبئس المصير، لأنه فرض عين لا تنطبق عليه المراجعة العقلية أو المصالحة النفسية.
وينسحب هذا التحول على الخصم، ويتم شيطنته، لينطبق عليه تاليًا منطق التحريم. والشيطنة الممنهجة هنا تعتمد على تجريد الخصم من إنسانيته عبر حملات إعلامية مكثفة، مما يجعل الصراع يبدو كمعركة وجودية بين الخير والشر، وليس نزاعًا على حدود أو موارد.
في الشرق الأوسط، لا يتم التعامل مع الصراع كأزمة عابرة، بل كأصل استراتيجي يُستخدم لتعزيز الهوية الوطنية أو الدينية، وهذا يمنحه القدرة على تسويق نفسه خارج الحدود، ليصبح قضية تهم كل من ينتمي إلى تلك العقيدة؛ المسلم في إندونيسيا والمسيحي في أوروبا، مما يجعل إطفاء نيرانه أمرًا معقدًا.
في المقابل، هناك المستفيدون، كشركات صناعة السلاح على سبيل المثال، التي تستثمر في تلك الصراعات بصفقات مليارية سنويًا، وتستخدم ساحات القتال كمعارض حية لتجربة أحدث التقنيات العسكرية، وكذلك المؤسسات الإعلامية التي تعتمد على الإثارة وجذب المشاهدات لزيادة عوائد الإعلانات والنفوذ السياسي، والأهم: القوى الإقليمية التي تسوق الاستقرار مقابل الدعم، حيث تطرح نفسها كحارس للمنطقة ضد الفوضى مقابل تنازلات سياسية واقتصادية.
ومع طول أمد النزاع، يصبح الصراع مربحًا مالياً أو سياسيًا، وتقل الرغبة في إيجاد حلول جذرية لأن إنهاءه يعني فقدان الأداة الفاعلة. ليس هذا فحسب، فهو يؤدي أيضًا إلى تعميق الانقسامات المجتمعية التي يصعب ترميمها حتى بعد صمت المدافع.
إن سياسة تسويق الصراعات في الشرق الأوسط ليست مجرد أداة إعلامية، بل هي استراتيجية شاملة تهدف إلى إدارة الأزمات بدلًا من حلها، وضمان تدفق المصالح للقوى المهيمنة على المشهد. لذا فإن استيعاب هذا النمط هو الخطوة الأولى لتفكيك الخطاب العاطفي والوصول إلى جوهر المصالح الحقيقية المحركة لديناميات المنطقة.
وللحق، التغليف الديني للصراعات لم يقتصر فقط على منطقتنا العربية، فأوروبا هي الأخرى ظلت تعاني لسنوات من حروب دينية عميقة، حتى توقيع صلح وستفاليا، النموذج التاريخي الأبرز لما يمكن تسميته بالبداية الكبرى لفض اشتباك الصراعات الدينية، وهي النقطة التي انتقلت بها أوروبا من حروب المقدس إلى نزاعات المصالح الوطنية.
الاتفاقية لم تنه الأزمات في أوروبا، لكنها كانت البداية لتغيير طبيعتها وإدارتها؛ حيث تم نزع الصبغة الدينية عن السياسة وأدواتها، وأصبح الصراع مرتبطًا بالدولة وحدودها، وليس بالعقيدة وحدها.
نحن لا نزال نعيش ما قبل و'ستفاليا'، حيث يختلط المقدس بالجغرافي، وتُعاد إنتاج هذه الصراعات كقضايا هوية لا كملفات سياسية قابلة للحل. هذا ما يفسر لماذا تبدو أغلب الصراعات الطائفية والمذهبية في المنطقة وكأنها عالقة خارج الزمن؛ فلا هي انتهت، ولا تحولت إلى تسويات مستقرة.
تطبيق خيار 'وستفاليا' ممكن، لكن البداية تكمن في تجريد الصراعات من القداسة المصطنعة، واستعادة النسبية السياسية التي تسمح بالحوار والتعايش، وهذا يتطلب مراجعة فكرية جريئة وشفافة تفكك أسباب توظيف المقدس في الخلافات البينية.