الألوان الوهمية في السياسة الإسرائيلية

الأصفر الأكثر انتشارا للتحذير والتنبيه من الخطر الداهم الذي تراه الحكومة الإسرائيلية ماثلا أمامها. بدافع رمزي ينطوي على رغبة في الاستيلاء على المزيد من الأراضي العربية.

تتعمد إسرائيل رسم مجموعة من الخطوط الوهمية في بعض توجهاتها السياسية والأمنية، للإيحاء بأنها تملك دفة القرار وتتحكم في مصير الجيران. وتجيد التعامل مع غالبية ألوان الطيف المتداولة. تتنوع الأهداف التي تريدها من وراء كل لون وفقا للأهداف المرجوة بصورة تتعدى الطريقة التي تحملها الألوان في الأعراف الدولية. ويمكن أن يحمل بعضها تفسيرات دينية وسياسية وأمنية في العقيدة الإسرائيلية.

أصبح الأصفر الأكثر انتشارا للتحذير والتنبيه من الخطر الداهم الذي تراه الحكومة الإسرائيلية ماثلا أمامها. بدافع رمزي ينطوي على رغبة في الاستيلاء على مزيد من الأراضي العربية لأسباب عسكرية. ظهرت التجليات بوضوح مؤخرا بعد الإعلان عنه في قطاع غزة من خلال اقتطاع جزء يتخطى نصف مساحة غزة، تتمركز خلفه قوات الإحتلال. من يتجاوزه سيلقى حتفه على الفور.

ورغم عدم قانونيته وتعارضه مع اتفاقية وقف إطلاق النار ومراحل وقف الحرب في وثيقة السلام المعلن عنها في مؤتمر شرم الشيخ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إلا أن إسرائيل لا تزال تتمسك به ضاربة عرض الحائط بكل النداءات الدولية التي حضتها على الإنسحاب، وتواصل الاعتداءات على غزة وسكانها.

أعلنت إسرائيل عن خط أصفر آخر في جنوب لبنان قبل أيام، كحزام أمني جديد ومنطقة عازلة تترواح مساحتها بين 6 و10 كيلومترات بغرض تثبيت وجودها المادي والمعنوي وإيجاد أمر واقع تحسبا لأي تطورات غير مواتية لها. وإجبار الحكومة اللبنانية على المضي قدما في عملية نزع سلاح حزب الله، على غرار ما تطالب به بالنسبة لحركة حماس في غزة. وتصمم إسرائيل على التمسك بخطها الصفر في جنوب لبنان متجاهلة المحادثات التي بدأت بينها وحكومة بيروت في واشنطن أخيرا.

يتم استخدام اللون الأصفر أيضا من وازع منطلقات توراتية وتعظيم الدور الأمني ودفع الخصوم للاستجابة لمطالب إسرائيل السياسية. في إشارة إلى إمكانية تحويله من خط مؤقت إلى دائم من خلال تكريسه عمليا والقفز على أي معطيات إقليمية.

في كل الحالات هناك صعوبة تواجهها إسرائيل من أجل تحقيق مطالبها الكامنة خلف الخطوط الصفراء التي قد يتزايد انتشارها مستقبلا. وسوف تجد صعوبة أكثر في ظل عدم قدرة هذه الأحزمة على توفير الأمان لسكانها في الشمال والوسط والجنوب أيضا. فالحروب تخاض الآن بأدوات تكنولوجية متقدمة، والمدى الذي يمكن أن تصل إليه الصواريخ والمسيرات يتفوق على أي منطقة تقيمها إسرائيل بذريعة عسكرية. ما يتكفل بسقوط خطوطها الأمنية وألوانها الوهمية في النهاية لحساب أهدافها السياسية.

لم يعد قضم أجزاء من الأراضي العربية كافيا لتوفير الأمن لإسرائيل بعد أن تكشفت معالم الكثير من المخططات التي تسعى إلى تنفيذها في أكثر من دولة. فطنت قوى عديدة إلى حيلة الخط الأصفر الذي تريد تل أبيب تعميمه. لعل تجارب حزب الله وحماس وجماعة الحوثي في اليمن، فضلا عن إيران، تعزز القناعات بسقوط أوهام الخط الأصفر. لن يتمكن من توفير الأمن ومنع الخصوم من الوصول لقلب إسرائيل.

تجيد إسرائيل التلاعب بلغة الألوان ومنح كل منها صفة أمنية أو سياسية منذ عقود. حيث استخدم اللون الأخضر كإشارة إلى خط الهدنة لحرب عام 1948 مع الفلسطينيين، لكنها أعادت ترسيمه وتغولت داخل الكثير من الأراضي المحتلة بشكل تعدى القوانين الدولية والإنسانية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

جرى التعامل مع الخط الأزرق للتأكد من انسحاب إسرائيل من لبنان وحددته الأمم المتحدة في يونيو/ حزيران عام 2000، وهو خط مؤقت وليس حدودا نهائية. لهذا اللون قيمة قصوى في المعتقدات الإسرائيلية. يشير إلى الهوية الدينية وما يعرف بـ"التاليت" وهو شال الصلاة. ويرمز للنجاة في الوعي العام لدى المتطرفين وينتشر في الطقوس اليهودية. ويبدو لافتا في العلم الإسرائيلي وملابس البعض من المسؤولين.

هناك اللون الأحمر الذي يتردد في الأجندة الإسرائيلية على جبهات متعددة وفي مواقف عسكرية وسياسية متفرقة. كعلامة على عدم التجاوز والأهمية التي يحملها التحذير من عدم المساس به. موجود عند الخط الفاصل بين جنوب لبنان وإسرائيل منذ سنوات. طفا على السطح في الحرب على قطاع غزة في ملفات مختلفة. وفي المواجهات العسكرية المتباينة مع حزب الله، ممثلا في التوقف عن التهديدات الأمينة ونزع سلاحه بلا تأخير أو مواربة. حث الحكومة على عدم التهاون والمراوغة في هذه الخطوة. ظهر الأحمر في الحرب على إيران عندما أُعلن صراحة عن رفضها امتلاك مشروع نووي عسكري ومنعها من وصول صواريخها البالستية إلى مدى يصل إلى إسرائيل.

ربما لا يعلم كثيرون أن إسرائيل لديها أيضا اللون الأرجواني. وهو خط إطلاق النار في هضبة الجولان عقب حرب يونيو/حزيران 1967، الذي تجاوزته إسرائيل بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، حيث توغلت داخل مساحة قريبة من العاصمة دمشق. وترك تحديد اللون النهائي لهذه المنطقة لطبيعة التطورات المقبلة. فقد يميل إلى الأحمر لأهميته الحيوية أو إلى الأصفر للتحذير العسكري من تبعات اختراقه. ويخشى كثيرون من تحوله إلى اللون الأخضر بكل ما يحمله من معاني سياسية بعيدة المدى يشير إلى تداخل غير مستبعد بين الجانبين الإسرائيلي والسوري، يفضي إلى تحويله لمنطقة جذب واعدة لمستوطنين ومتطرفين جدد في الأراضي السورية.

يمكن تفسير لجوء إسرائيل إلى الألوان الوهمية المختلفة وتكرارها في بعض أدبياتها السياسية بحسبانه محاولة للاحتفاظ بالخصوصية الدينية وما تنطوي عليه من دلالات، والفصل بينها وبين ما هو متعارف عليه في المنظمات الدولية. يتسق الغرام باستخدام الألوان مع الشعارات التي ترفعها إسرائيل عند كل عملية عسكرية تقوم بها في المنطقة العربية. وفي معظمها تأتي من روافد توارتية ولها مضامين خفية تريد تحقيقها. وتسعى إلى حفرها في الذاكرة الجمعية وتوصيل رسائل سياسية للجهات المعنية.