'عبيدات الرما'.. فرجة شعبية بروح مغربية
الرباط ـ تتنوع الفنون الشعبية بالتنوع الجغرافي في المغرب، إذا لا تُفهم الموسيقى بوصفها ترفا فنيا معزولا، بل امتدادا ثقافيا للإنسان وبيئته، فلكل إقليم تقريبا لغته الغنائية وإيقاعه الخاص.
وثبرز وفي قلب هذا المشهد، فن 'عبيدات الرما' كأحد أبرز التعبيرات الموسيقية الشعبية التي ارتبطت تاريخيا ببوادي خريبكة وبني ملال، قبل أن ينتشر تدريجياً في مناطق أخرى محتفظاً بجذوره العميقة رغم تحولات الزمن.
يندرج هذا الفن ضمن ما يُعرف بالفنون الفرجوية الشعبية، أي تلك الجامعة بين الغناء والحركة والفرجة الجماعية. وتعود تسميته إلى كلمة 'الرما' التي تشير إلى الرماية بالبندقية، في إحالة تاريخية إلى جماعات كانت تتدرب على السلاح استعدادا للدفاع، قبل أن يتحول هذا الطابع العسكري إلى تعبير فني ذي بعد احتفالي واجتماعي.
وقد أصبح لكل فرقة 'مقدم' يتولى قيادتها الفنية والتنظيمية، وغالبا ما يكون شاعرا أو ملحناً أو حافظا للتراث الشفهي.
ما يميّز "عبيدات الرما" أنه فن يبتعد عن النزعة الحزينة، ويختار الاحتفاء بالفرح والحياة اليومية. فهذه الأغاني وُلدت في سياق اجتماعي مرتبط بالعمل الزراعي الشاق، حيث كانت تُؤدى لتخفيف مشقة يوم طويل في الحقول أو في البناء أو في الأسواق، مجسِّدةً فلسفة شعبية تقوم على تحويل التعب إلى إيقاع والمجهود إلى طاقة جماعية مبهجة.
تتكون فرق 'عبيدات الرما' عادة من ثمانية إلى اثني عشر عضوا يرتدون لباسا تقليديا موحدا. ويعتمدون على آلات موسيقية بسيطة في ظاهرها غنية بدلالاتها الصوتية، كـ'التعريجة' المصنوعة من الطين والجلد، و'الطارة' من الخشب والجلد، إضافة إلى 'المقص' بوصفه أداة إيقاعية غير تقليدية، مما يمنح الموسيقى طابعا صادقا مرتبطا بالبيئة القروية. ولا يقتصر الأداء على الغناء، بل يتجاوزه إلى عرض فرجوي متكامل تُجسّد فيه الحركات الراقصة مشاهد من الحياة اليومية: الحرث والحصاد والقنص والفانتازيا، في انسجام تام بين الإيقاع والحركة والكلمة. غير أن هذا الفن ظل محافظاً على طابعه الذكوري مع غياب شبه تام للنساء عن فرقه.
ومنذ نحو عقدين، بدأت المؤسسات الثقافية المغربية جهودا منهجية لإحياء هذا الفن وصونه، شملت إدماجه في مهرجانات محلية أبرزها مهرجان 'عبيدات الرما' في خريبكة، فضلا عن وضع خطط وطنية لجرده وتوثيقه عبر الإحصاء والتسجيل والأرشفة، سعيا لضمان استمراريته في مواجهة التحولات الاجتماعية السريعة. ويعكس هذا التوجه وعياً بأن التراث الشعبي ليس ماضياً يُستحضر، بل رصيد حي قابل للتجدد.
وفي السنوات الأخيرة، بات هذا التراث يشهد دينامية جديدة تقودها أجيال شابة، من أبرزها الشاب أيمن سلطان الذي لا يتجاوز العشرين عاما، وقد غدا من أصغر 'المقدمين' على المستوى المغربي، جامعا بين التكوين التقليدي على يد شيوخ الفن والانفتاح على أساليب التدبير الفني الحديثة.
وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أكد أيمن سلطان أن قيادة فرقة في هذه السن المبكرة مسؤولية كبيرة تتطلب الانضباط والتفاني، مشيرا إلى أن مفتاح النجاح يكمن في العناية الدقيقة بالصورة الفنية، سواء تعلق الأمر بجودة الأداء الموسيقي، أو أناقة اللباس، أو الانسجام البصري للعرض.
وبدافع الطموح الكبير الذي يحركه، دعا أيمن إلى تحرير فن 'عبيدات الرما' من الانحصار في دائرة الاحتفالات المحلية، والانفتاح به على فضاءات إبداعية أرحب، بما يعزز إشعاعه على الساحة الفنية الوطنية ويفتح له آفاقا نحو العالمية، مع الحفاظ على خصوصيته الثقافية.
وانطلاقا من هذه الرؤية، استطاعت 'فرقة أيمن سلطان'، التي رأت النور قبل أربع سنوات بمنطقة الزيايدة بإقليم بنسليمان، أن تفرض حضورها في الساحة الفنية الشعبية، من خلال عروض تعيد تقديم الإيقاعات التقليدية ضمن توزيع جماعي متناغم.
وتتكون هذه المجموعة الموسيقية من سبعة أعضاء يتقنون العزف على آلات عريقة، من قبيل البندير والتعريجة والمقص، لتقديم باقة من الأغاني التراثية التي تستلهم مواضيعها من المعيش اليومي والبيئة القروية، مع إبراز العادات والتقاليد المحلية.
ويشكل الزي التقليدي المغربي، بما يحمله من دلالات جمالية وثقافية، دعامة أساسية لهذه الهوية البصرية، إذ يضفي على عروض الفرقة بعدا تعبيريا ورمزيا.
وتحظى الفرقة، بفضل هذا العمل الدؤوب، بشهرة متنامية على الصعيد الوطني، تعززت بمشاركات لافتة في عدد من المهرجانات والمواسم والتظاهرات الكبرى، حيث نجحت في استقطاب جمهور واسع داخل المغرب وخارجه.
وتندرج هذه الدينامية الشبابية في سياق الاهتمام المؤسساتي المتزايد بفن 'عبيدات الرما'، حيث تحتضن مدينة خريبكة المهرجان السنوي المخصص له، وهو حدث يكرس مكانة هذا الفن باعتباره جوهرة من جواهر التراث اللامادي، ورافعة أساسية لترسيخ الهوية الثقافية المغربية.
ويجسد المسار المتفرد لأيمن سلطان وفرقته تحولا نوعيا في التعاطي مع الفنون الشعبية، تحول قوامه التوفيق بين الوفاء للأصول والانفتاح المدروس على آفاق التجديد، باعتباره السبيل الأنجع لضمان استمرارية هذا الموروث في مواجهة التحولات الراهنة.