كُردستان: عنقاء تضمد الجراح وترانيم في مهدِ الأزمات المستعصية

هذه الأرض بما تملك من إرث إنساني ضارب في القدم استطاعت أن تحول مآسيها إلى طاقة بناء هائلة تتجاوز بها عثرات الماضي وتنظر بعين الواثق نحو آفاق المستقبل المشرق.

إقليمُ كردستانَ العراقِ، الذي لا يزال يحمل في تضاريسه العميقة حتى الآن ندوبَ المآسي الكبرى، لكنه في الوقت ذاته، يقف اليوم كأنه العنقاء التي تنفض عنها رماد الحقب الغابرة، لتعلن للعالم أن الجغرافيا حين تُعمّد بالدموع والتضحيات تتحول إلى أيقونة للصمود والنهوض فهو الذي لم يزل يحمل في أغواره المحفورة بذاكرة الفواجع لكنه في الوقت ذاته، ينسج من خيوط التجربة وتراكم الخبرة السياسية كياناً عصياً على الانكسار فرض نفسه لاعباً محورياً لا يمكن تجاوزه في معادلة الشرق الأوسط المعقدة. 
كيان كُردستان الذي لم يزل يحمل في طياته المتجذرة و تجاعيده التاريخية وسوماً غائرة حفرتها يد الأنظمة المتعاقبة التي لم تدخر جهداً في محاولات طمس هويته أو كسر إرادة شعبه عبر عقود من القمع والتنكيل إلا أن هذه الأرض بما تملك من إرث إنساني ضارب في القدم استطاعت أن تحول مآسيها إلى طاقة بناء هائلة تتجاوز بها عثرات الماضي وتنظر بعين الواثق نحو آفاق المستقبل المشرق فالتاريخ الكُردي المليء بالويلات لم يكن يوماً عائقاً أمام الرغبة في التئام الجروح بل صار دافعاً لترسيخ كيان دستوري قانوني يحفظ الكرامة الإنسانية ويؤسس لمرحلة جديدة من الوجود السياسي الذي يجمع بين أصالة الانتماء ومرونة الانفتاح على الآخر.
وفي ظل هذه المسيرة الشاقة والمتعرجة نجح الإقليم في صياغة معادلة سياسية غاية في التعقيد والحساسية حيث أدركت قيادته الحكيمة أن الاستقرار لا يتجزأ وأن المصلحة العليا تقتضي الحفاظ على توازن دقيق في العلاقة مع السلطة الاتحادية في بغداد بعيداً عن صخب المزايدات السياسية أو الانزلاق نحو التنازلات المخلة بالحقوق الدستورية فالهدف الأسمى كان دوماً هو إيجاد أرضية مشتركة تخدم الطرفين وتدفع بعجلة المصلحة العامة نحو الأمام بما يضمن حقوق المكونات كافة ويؤمن لشعب كُردستان وللعراقيين جميعاً حياة حرة كريمة تقوم على الشراكة الحقيقية والتوافق والتوازن وهي الثلاثية التي طالما نادت بها القيادة الكُردية كسبيل وحيد لاستقرار الدولة العراقية واستعادة دورها الريادي في المنطقة والعالم.
إن ما يميز تجربة إقليم كُردستان هو تلك الدبلوماسية الهادئة والناجحة التي استطاعت بناء جسور من الثقة مع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي في أحلك الظروف وأصعب الأزمات فلم تكن كُردستان يوماً مصدر قلق أو تهديد لجيرانها بل كانت وما تزال واحة للوئام ومنطلقاً لرسائل السلام والتعايش السلمي الذي يجمع بين مختلف الأديان والقوميات في لوحة فسيفسائية قل نظيرها في الشرق الأوسط المشتعل ولعل المواقف البطولية والإنسانية التي سجلتها كُردستان في الأزمات الإقليمية الكبرى وفي مقدمتها الحرب الكونية ضد الإرهاب وحماية النازحين والمنكوبين من كل حدب وصوب لهي خير دليل على أن هذا الكيان هو فاعل خير حقيقي يسعى للأمن الجماعي ويؤمن بأن الحوار هو اللغة الوحيدة الكفيلة بفض النزاعات وترسيخ الاستقرار الدائم.
وعلى الصعيد الداخلي تخوض كُردستان اليوم معركة لا تقل ضراوة عن معارك الدفاع عن الأرض وهي معركة البناء والإعمار حيث توضع اللبنة فوق اللبنة بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين للوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي اقتصادياً وتنمية الموارد البشرية والطبيعية بما يخدم الرخاء الاجتماعي ورغم كل التحديات الجسيمة والمطبات المفتعلة التي تحاول بعض القوى المناوئة للنهضة الكُردية وضعها في طريق هذا المشروع النهضوي سواء كانت تحديات سياسية تهدف لتحجيم دور الإقليم أو ضغوطات اقتصادية ترمي لعرقلة نموه إلا أن الإصرار الكُردي أثبت قدرته على المناورة والابتكار والاعتماد على الذات لتحويل الأزمات إلى فرص حقيقية للنجاح والتطور وهو ما يتجلى في المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تشهدها مدن الإقليم كافة وفي الوعي المجتمعي المتنامي بضرورة الحفاظ على المكتسبات الوطنية وحمايتها من العابثين.
إن قصة كُردستان هي قصة شعب قرر ألا يموت وقرار قيادة آمنت بأن المسؤولية التاريخية تحتم عليها العبور بسفينة الإقليم إلى بر الأمان وسط أمواج هائجة من التحولات الجيوسياسية فكان الصبر الاستراتيجي هو السلاح وكان الانفتاح الدبلوماسي هو الدرع وكانت وحدة الصف هي الحصن المنيع ومن هنا يبعث الإقليم رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن كُردستان لم ولن تكون يوماً عبئاً على أحد بل هي الركيزة الأساسية لأي مشروع استقراري في المنطقة والمحرك الاقتصادي الذي يمكن أن ينهض بالواقع العراقي ككل إذا ما توفرت الإرادة الصادقة في بغداد للتعامل مع هذا النموذج الناجح بروح الأخوة والشراكة بعيداً عن عقلية الإقصاء أو المركزية المقيتة التي لم تجلب للبلاد سوى الويلات والدمار عبر العقود الماضية.
ومع كل خطوة يخطوها الإقليم نحو الأمام يزداد الإيمان بأن الطريق نحو المستقبل يتطلب مزيداً من التلاحم بين القيادة والشعب ومزيداً من الشفافية في إدارة الموارد وتعزيز المؤسسات الديمقراطية لتكون كُردستان نموذجاً يحتذى به في الحكم الرشيد والتنمية المستدامة ورغم مرارة الجراح القديمة إلا أن روح التسامح الكُردية تظل هي الطاغية حيث يمد الكُرد أيديهم للجميع بصدق الباحث عن السلام لا بضعف المجبور على المساومة وهو ما جعل من أربيل اليوم قبلة للدبلوماسيين والمستثمرين والباحثين عن الأمل في منطقة كادت أن تفقد بوصلتها فالنهضة الكُردية ليست مجرد أرقام في موازنات أو مبانٍ شاهقة بل هي نهضة قيم وإنسان يؤمن بحقه في الوجود وبواجبه تجاه الإنسانية جمعاء.
إن المتأمل في مسيرة الإقليم يجد أن التحديات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لم تكن يوماً سبباً في التراجع بل كانت محفزاً للإبداع السياسي حيث استطاعت كُردستان أن تخلق لنفسها مكانة دولية محترمة عبر تمثيل دبلوماسي نشط وعلاقات متوازنة مع القوى الكبرى والإقليمية على حد سواء مما وفر لها غطاءً دولياً وحماية سياسية ساهمت في درء الكثير من المخاطر والمؤامرات التي حيكت ضدها في الغرف المظلمة لتبقى كُردستان دائماً وأبداً منارة للحرية ورمزاً للصمود الذي لا ينكسر مهما بلغت شدة الرياح العاتية ومهما حاول الحاقدون النيل من منجزاتها التاريخية التي كتبت بدماء الشهداء وتضحيات البيشمركة الأبطال الذين سطروا أروع الملاحم في الدفاع عن القيم الإنسانية النبيلة.
ختاماً يبقى إقليم كُردستان العراق شاهداً حياً على أن إرادة الشعوب أقوى من جبروت الطغاة وأن الحقوق المشروعة لا تضيع ما دام وراءها مطالب مؤمن بقضيته ومستعد للبناء والتضحية في آن واحد فالرحلة مستمرة والطموح لا سقف له والهدف هو الوصول بكُردستان إلى مصاف الدول المتقدمة حضارياً واقتصادياً لتبقى دائماً أرض الوئام والخير والسلام لكل من يسكنها ولكل من يقصدها بقلب سليم ونية صادقة في البناء والإعمار والتعايش السلمي الذي هو سر بقاء الأمم وعنوان عظمتها في تاريخ البشرية الطويل .