واقعية السخرية وتشخيص الانكسار الوجودي في رواية 'آل مايا'

الأديب البرتغالي إيسا دي كيروش يروي مأساة الإنسان الممكن حين تشلّه وفرة الفرص ويقتله التردّد، لتتحوّل حياته إلى تأمّل فلسفي في المسافة المؤلمة بين اتساع الأفق وعجز الإرادة.

حين قرأتُ هذه الرواية، لم يكن ذلك بدافع الفضول وحده، ولا بدافع استكمال معرفة أدبية ناقصة، وإنما كان أشبه بمحاولة لفهم شيء ملتبس في داخلي. ثمة روايات نقرأها لأنها مشهورة، وأخرى لأننا نُوصى بها، لكن "آل مايا" (Os Maias) -أو (Les Maia) بحسب الترجمة الفرنسية -للأديب البرتغالي إيسا دي كيروش، وقعت بين يديّ في لحظة كان فيها السؤال عن الاختيار، عن الإمكان، وعن معنى أن تتعدد الطرق أمام الإنسان حتى يعجز عن سلوك أي منها، سؤالا شخصيا لا مجرد فكرة مجردة. شعرت، منذ الصفحات الأولى، أنني لا أقرأ حكاية عائلة برتغالية بقدر ما أواجه مرآة خفية، تعكس ذلك التردد الصامت الذي يتسلل إلى حياتنا حين نمتلك القدرة ولا نمتلك الحسم.

اخترت هذه الرواية لأنني كنت أبحث عن نص لا يقدم أجوبة جاهزة، وإنما يضعني داخل منطقة القلق نفسها؛ نص يزعزع وهم السيطرة الذي نتمسك به، ويكشف، بهدوء قاس، كيف يمكن للفرص أن تتحوّل إلى عبء، وللحرية أن تصبح شكلا آخر من أشكال العجز. لم أكن أريد قصة نجاح، ولا مأساة صاخبة، ولكن ذلك النوع من السرد الذي يتحرّك في المساحات الرمادية، حيث لا يكون الفشل نتيجة خطأ واضح، وإنما نتيجة تأجيل مستمر، وتردد يكاد يبدو بريئا.

ربما لهذا السبب تحديدا بدت لي "آل مايا" خيارا ضروريا لا عابرا؛ لأنها لا تُقدَّم بوصفها مساحة للتأمل في ذلك السؤال الذي لا يكف عن ملاحقتي: ماذا نفعل بكل ما يمكن أن نكونه؟

ثمة كُتّاب يتوزعون على مدارس واتجاهات، وثمة آخرون يختصرون هذه المدارس في كيان واحد. وكما يُنظر إلى فرناندو بيسوا بوصفه عالما أدبيا قائما بذاته، يجمع بين الحداثة والتأمل والابتكار وتعدد الأصوات، يمكن القول إن إيسا دي كيروش قد جسّد، قبله، نموذجا مشابها ولكن عبر الرواية الواقعية التي تمتص تأثيرات عصرها وتعيد تشكيلها. فهو كاتب تتقاطع في أعماله ظلال غوستاف فلوبير وويليام ميكبيس ثاكري وتشارلز ديكنز، وحتى أثر المسرح الاجتماعي عند ألكسندر دوما الابن، دون أن يفقد صوته الخاص، ذلك الصوت الذي يمزج بين السخرية الدقيقة والوعي التاريخي العميق.

ليست رواية آل مايا مجرد سرد لتاريخ عائلة، إنها تفكيك عميق لفكرة المصير والإمكان، ويمكن اعتبارها أيضا تأملا فلسفيا في العلاقة المعقدة بين الحرية الفردية والقيود غير المرئية التي يفرضها المجتمع والتاريخ. تبدأ من تصدع عائلي أصاب بيت أفونسو دي مايا، ذلك الرجل الذي يمثل بقايا صلابة أخلاقية تكاد تختفي، وتتبلور في شخصية حفيده كارلوس دي مايا، الذي يبدو وكأنه وُلد محاطا بكل الفرص، لكنه عاجز عن تحويل أي منها إلى واقع. ليست هذه المفارقة مجرد خلل شخصي، إنها تعبير عن جيل كامل نشأ في ظل وفرة شكلية وفراغ داخلي.

كارلوس، العائد من باريس بشهادة في الطب، لا ينقصه الذكاء ولا الثقافة ولا المكانة الاجتماعية، ولا حتى الحس الجمالي الذي يجعله قادرا على تذوق الحياة في أرقى صورها. ومع ذلك، فإن حياته تتبدد في احتمالات غير محققة: يمكنه أن يكون طبيبا لامعا، أو مفكرا، أو كاتبا، أو حتى شخصية اجتماعية مؤثرة. غير أن هذا الاتساع في الإمكانات يتحول إلى عبء وجودي؛ إذ إن تعدد الطرق لا يفتح الأفق بقدر ما يشل الإرادة. وهنا تبرز إحدى أفكار الرواية المركزية: أن الحرية المطلقة قد تكون وجها آخر للعجز، وأن القدرة على الاختيار تفترض، على نحو متناقض، القدرة على التضحية.

يعيش كارلوس في منطقة رمادية بين الفعل والتردد، بين الرغبة والتأجيل، وكأن الزمن بالنسبة له ليس خطا يتقدم، وإنما دائرة يعيد فيها إنتاج عجزه. وتبلغ هذه المأساة ذروتها في علاقته بماريا إدواردا. فالحب الذي يعيشه معها ليس مجرد قصة عاطفية، إنه لحظة نادرة من الكثافة الوجودية، لحظة يبدو فيها أنه أخيرا قد اختار. لكنه اختيار مأساوي، إذ يكتشف أنها أخته. هنا لا تتجلى المأساة فقط في المحظور الأخلاقي، ولكن في المفارقة الأشد قسوة: الفعل الوحيد الذي أقدم عليه بإرادة كاملة كان خطأ لا يمكن إصلاحه، وكأن الرواية تقول إن الحسم، حين يأتي متأخرا، قد يأتي في الاتجاه الخطأ.

غير أن الرواية لا تختزل نفسها في هذا الحدث الصادم. فهذه الحبكة، على الرغم من طابعها الميلودرامي، ليست سوى سطح يعكس شللا أعمق: شلل طبقة اجتماعية كاملة، مجتمع يعيش في حالة من التقليد والتبعية والافتقار إلى المبادرة. ليست لشبونة في الرواية مجرد مكان جغرافي، إنها حالة ذهنية: مدينة تتطلع إلى الخارج أكثر مما تنظر إلى داخلها، وتستهلك الحداثة دون أن تنتجها.

ويحيط بكارلوس عدد من الشخصيات التي تعكس هذا الواقع بطرق مختلفة، بحيث تتحول الرواية إلى ما يشبه مختبرا اجتماعيا. صديقه جواو دي إيغا يمثل المثقف الذي يعيش في الأفكار أكثر مما يعيش في الأفعال، مثقفا يبرع في التحليل والنقد، لكنه يعجز عن الإنجاز. يخطط لمشاريع أدبية كبرى، لكنها لا تتجاوز حدود النقاشات الحماسية، وكأن اللغة عنده أصبحت بديلا عن الفعل. إنه نموذج للمثقف الذي يستبدل الحياة بتأويلها.

في المقابل، يجسد داماسو سالسيدو التبعية السطحية، إذ ينبهر بكل ما يأتي من باريس لا لقيمته، ولكن لكونه أجنبيا، وهو بذلك يعكس أزمة هوية لا تزال راهنة: الإعجاب بالآخر بوصفه آخر، لا بوصفه تجربة يمكن فهمها أو نقدها. أما توماس ألينكار، الشاعر الرومانسي، فينتمي إلى زمن سابق، متأثرا بـلورد بايرون وفيكتور هوغو وألميدا غاريت. ورغم أن أسلوبه يبدو متقادما، إلا أنه يحتفظ بصدق عاطفي يفتقده الآخرون، وكأن الرواية تمنحه، ضمنيا، نوعا من التعاطف بوصفه آخر من بقي وفيا لوهم ما، حتى لو كان هذا الوهم غير قابل للحياة.

بهذه الشخصيات، تتحوّل الرواية إلى لوحة ساخرة للمجتمع، لكنها سخرية ليست هدامة بقدر ما هي كاشفة. فإيسا دي كيروش لا يكتب بروح الانتقام، وإنما بروح التشخيص. منحته تجربته الدبلوماسية خارج بلاده مسافة مزدوجة: مسافة تسمح بالرؤية، ومسافة تمنع القطيعة. لذلك فإن نقده مشوب دائما بنوع من الحنين، أو على الأقل بشعور خفي بأن هذا المجتمع، رغم عيوبه، يستحق الفهم لا الإدانة فقط.

وفي النهاية، يصل كارلوس وجواو دي إيغا إلى اعتراف مرير: لقد أضاعا حياتهما. يتبنيان فلسفة قائمة على الاستسلام، مفادها أن السعي لا جدوى منه، وأن الطموح ليس سوى وهم يبدده الواقع. غير أن الرواية، في لحظة شبه عابرة، تقوّض هذا اليقين. حين يمران بترام ويترددان في اللحاق به، يتجسد الصراع كله في لحظة صغيرة: بين الفكرة التي تقول "لا جدوى" والجسد الذي يندفع رغم ذلك. يقرران الجري.

هذه الحركة البسيطة، التي قد تبدو هامشية، تحمل ثقل الرواية كلها. فهي تكشف أن الإنسان، حتى وهو يعلن استسلامه، يحتفظ ببقايا رغبة لا يمكن إخمادها. لا يظهر الأمل هنا كشعار كبير، ولكن كحركة لا إرادية تقريبا، كاستجابة غريزية للحياة. وهكذا، تنتهي الرواية لا بإجابة، وإنما بتوتر مفتوح: بين وعي يدرك عبث الجهد، وغريزة تدفع إلى المحاولة.

بهذا المعنى، تتجاوز "آل مايا" كونها رواية واقعية لتصبح تأملا في الشرط الإنساني نفسه: في تلك المسافة المؤلمة بين ما يمكن أن نكونه وما نصير إليه، بين الإمكان الذي يفتح الأفق، والعجز الذي يغلقه، وبين الاستسلام الذي نقنع به أنفسنا، ونزوع خفي، عنيد، إلى الاستمرار.