عن الجنون الناجم من العنف الدموي في 'منام القيلولة'
وصلت رواية "منام القيلولة" للكاتب الجزائري أمين الزاوي والصادرة عن دار العين المصرية لعام 2025 إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية البوكر، نافسها خمس روايات عربية أخرى واحدة منهم جزائرية أيضا وهي "أغالب مجرى النهر" للكاتب سعيد خطيبي التي انتزعت الجائزة التي أعلن عنها في التاسع من أبريل /نيسان للعام 2026.
وتدور أحداث رواية "منام القيلولة" زمن العشرية السوداء في الجزائر، وماتبعها من خراب ودمار راح ضحيته آلاف الجزائريين بسبب الحرب الأهلية التي دارت بين الجماعة الإسلامية والسلطة الحاكمة عبر تتبع مصير جيلين من عائلة واحدة: الأول عايش ثورة التحرير الجزائرية والعشرية السوداء، والثاني عايش العشرية فقط حيث كان صغيرا زمن ثورة التحرير.
وهي تسلط الضوء على الانعكاسات الاجتماعية الناجمة عن هذه الحرب الأهلية من خوف وانعدام للأمان وتطرف؛ هذه الحرب التي لم ترحم أحداً وتركت جرحاً عميقاً في نفوس الجزائريين استمرت تبعاته لسنوات طويلة، عكس رواية "أغالب مجرى النهر" الفائزة بالبوكر، والتي دارت أحداثها قبل العشرية السوداء بقليل، مسلطة الضوء على تاريخ مهم من تاريخ الجزائر كان مسكوتاً عنه، وقد أدى بطريقة أو بأخرى إلى تلك الحرب الأهلية التي اندلعت بعدما ألغت السلطات الجزائرية الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية عام 1991، التي فازت فيها الجماعة الإسلامية بأكثرية مطلقة؛ مما أثار حنق المتشددين على السلطة الحاكمة وبدأوا بمحاربتها عسكرياً لانقلابها على الديمقراطية. وتتعدد الأصوات السردية داخل الرواية؛ فالجزء الأكبر يروى بلسان طفل من عائلة القارح، لينتقل بعدها إلى شخصية أخرى من العائلة وإلى أشخاص آخرين تربطهم علاقة بالعائلة، لكن لا تصل لتصنف رواية بوليفونية رغم تعدد الأصوات داخل المتن الحكائي.
عائلة على حافة الجنون والعقل
يبدأ أمين الزاوي روايته من نهايتها؛ حين تأتي سيارة الإسعاف إلى قرية ينبو ظهراً لأخذ لالا مسعودة القارح إلى المصح العقلي، عندما كان سكان هذه القرية يأخذون قيلولة الظهيرة أو كما يسمونها شيطان القايلة: "القيلولة هاهنا في قرية ينبو صلاة سادسة"، فلم يشاهدها أحد حين أخذوها سوى طفل صغير من العائلة. هي التي فقدت عقلها بعدما قام صهرها زوج ابنتها سليم بوعزة، المنتمي للجماعة الإسلامية، بقتل ابنها الأصغر عبد القادر الذي كان رئيس بلدية القرية بمساعدة صديقين قديمين للأخير، فتصاب بالجنون وتساق إلى المصحة العقلية. ويمهد الكاتب للتعريف بها بقوله: "امرأة عبرت حياتها فوق الجمر، جمرة فجمرة، كية بعد كية، عبرتها كما تعبر فلاحة النهر الفائض عن سريره، مشمرة فستانها الطويل، تقفز على أحجار وضعت على عرض المجرى من حجرة إلى أخرى، تتقدم بحذر على رؤوس أصابعها مرتجفة باحثة عن توازن كي لا تسقط".
ثم يعود بنا الراوي إلى البداية؛ إلى سنوات طويلة خلت أيام الثورة الجزائرية، حين كانت العائلة تسكن في قرية عنان مسقط رأس الزوج حميد النوري، الذي يتآمر عليه صديقه في النضال سليمان الأعوج كي يظفر بامرأته الجميلة لالا مسعودة القارح، فيطلق إشاعة في القرية يتهمه فيها بالعمالة وخيانة الثورة، فتتلقف مسعودة الخبر وتخبر زوجها به، فيتفق الاثنان على التخلص من سليمان، فتقوم لالا مسعودة بقتله ذبحاً بالسكين في منزلهم، لكن ابنها إدريس الذي اعتقدت هي وزوجها أنه نائم شاهد الجريمة، فتركت أثراً كبيراً فيه، وقد تكون هي التي سببت له اضطرابه العقلي عندما كبر.
وبعد الواقعة يقرر حميد الزوج الصعود إلى الجبل وإكمال النضال ضد المستعمر ويقتل هناك. أما مسعودة التي أصبحت وحيدة هي وثلاثة أبناء، فتقرر ترك القرية والسفر إلى قرية أهلها ينبو، حيث تقيم هي وأولادها إدريس الكبير وعبد القادر الأوسط وحليمة الصغيرة في منزل أخيها الشيخ الوقور قارئ الجنازات سيدي مولاي عبد الله القارح، وتمضي بقية حياتها هناك حيث يكبر أولادها ويصبح لكل منهم قصته؛ فالكبير إدريس يصبح متوحشاً فيلقبونه بالغول، ولا ينجو أحد من هجماته الجنونية حتى القطط والكلاب، ويصبح خطراً على كل من حوله؛ مما يضطر مسعودة لربطه بشجرة الرمان في مشهد يذكرنا بربط أورسولا لزوجها خوسيه أركاديو بوينديا على الشجرة في رواية مئة عام من العزلة للكاتب الكولومبي الحائز على جائزة نوبل غابرييل غارسيا ماركيز.
أما عبد القادر الصغير الملقب بالمخ، الذي يعتقد نفسه أنه يشبه الأمير عبد القادر الجزائري لأنه يحمل نفس اسمه، بالإضافة لولعه بقراءة كتاب البخلاء للجاحظ وكتب المعري وأشعار أبي نواس ويتأثر بكتب ابن خلدون، يجاهر بقوله في المعهد الذي يدرس فيه إنه سيصبح رئيساً للجزائر ذات يوم؛ ما يتسبب بطرده من المعهد وإدخاله المصحة العقلية، لكنه حين يكبر يصبح شخصية مرموقة، فيفتتح مقهى في القرية يقصده كل سكانها، ويستطيع جلب اعتراف بشهادة أبيه المناضل الكبير وبعدها يصبح رئيساً لبلدية القرية.
أما حليمة الصغيرة التي تشبه أمها في كثير من الأشياء، فتتعرض لموقف يبقيها مرعوبة بقية حياتها، وهو محاولة أخيها إدريس الغول ذبحها بالسكين نفسها التي ذبحت فيها أمها سليمان الأعوج ذات يوم، فتضطر أمها لتهريبها إلى منزل عمها في قرية أخرى لتقيها من لسان الناس في القرية بعد هذه الحادثة هي ابنة الستة عشر عاماً كي لا يظنوا بها سوءاً، وتزوجها لاحقاً بالأستاذ سليم بوعزة الذي يتحرش بطلابه الذين يعطيهم دروساً في غرفته، ثم يهجرها ويلتحق بالجماعة الإسلامية في الجبال ويقتل ابن حماة عبد القادر لاحقاً.
أما حليمة الهاربة من أخيها والمكلومة بأخيها الآخر ومنحوسة بزواجها، فتقرر السفر إلى وهران، وهناك تعمل في أشهر مخابز المدينة عند بنعلال الرومي، هذا المخبز الذي كانت تملكه الفرنسية سيمون بلانش ذات يوم ويساعدها فيه بنعلال، لكنها تتركه وتهاجر إلى فرنسا بعد تهديد حركة اليد الحمراء لها بالقتل بتهمة أنها تعتبر الجزائر ليست فرنسية، وتترك المخبز لكي يديره بنعلال؛ ما يسبب له شعوراً بالفقدان بعد سفرها هي التي كانت عشيقته، فيفتقدها ويشتاق لمعاشرتها: "لقد تغيرت وهران، لقد بت فيها غريباً وأنا الذي ولدت هاهنا وكبرت هاهنا". لكنه هو نفسه سيغلق المخبز لاحقاً ويغادر البلاد بعد تنامي خطر الجماعة وتهديدهم له، فقد أصبحت الجزائر مخيفة وتغيرت كثيراً: "كل شيء في مدينة وهران أصبح مخيفاً ومثيراً للريبة، الأرصفة تحولت إلى غابة من العيون اللاصقة في وجوه غريبي السحنة يتحركون ليل نهار يراقبون تصرفات الناس باسم الله".
وتبقى حليمة وحيدة بعد سفر بنعلال الرومي، هي التي تمنت أن تحبل منه ذات يوم: "لأن المرأة الحامل يحترمها الجميع في هذه المدينة ولا أحد يجرؤ على التحرش بها لأنها تمثل الأم"، لكنها تبقى محتفظة بخوفها من أخيها إدريس الذي علمت أنهم أخرجوه من المصح العقلي خوفاً من هجماته الجنونية التي تهدد حياة الممرضات والأطباء، فتتوهم أنه سيصل إليها ويقتلها في أي لحظة وتبقى هذه العقدة ملازمة لها.
أحلام النهار
استعار أمين الزاوي عنوان روايته منام القيلولة من الأحلام التي كان يتمناها الشعب الجزائري بعد التحرير، ولفظة المنام تعني الأحلام التي يشاهدها الإنسان أثناء النوم؛ فالواقع الفاسد الذي حل بعد انتهاء الثورة أجهض أحلام هذا الشعب، وطفت طبقة جديدة من الأثرياء على السطح من منتفعي السلطة، أما نساء شهداء الثورة وأبناؤهم فأصبح الكثير منهم خدماً في منازل هؤلاء الأغنياء ورجالات السلطة، فما كانوا يحلمون به في الليل أجهض في النهار، معبراً الزاوي عن هذا باستعارات وصور جميلة تنم عن مخيلة كبيرة عندما يصف أحلام القيلولة بقوله: "هل لنوم القيلولة أحلام؟ صور أحلام الليل تكون واضحة لأنها تنسخ بأمان في غرفة الليل السوداء، أما صور أحلام القيلولة فتكون غير واضحة محروقة مشوهة لأنها تتعرض لضوء النهار". وفي مكان آخر يقول: "صور منامات القيلولة تطلع محروقة مشوهة نظراً لتعرضها لأشعة الشمس لحظة التحميض في الرأس"؛ فشبه الدماغ بالكاميرا في استعارة جميلة، بالإضافة لاستوديو تحمض فيه الصور في الليل فتكون ناجحة، أما إذا تعرضت هذه الصور لضوء النهار فإنها تحترق، وهذا ما حصل مع الشعب الجزائري الذي انتقل من الفقر والفساد بعد الثورة إلى فقدان الأمان والخوف زمن العشرية السوداء، فتشوه واقعه وملأت شوارع بلاده الدماء نتيجة هذا العنف المجنون: "البلاد أضحت أرخبيلاً للجنون، غابة وحوش لا أحد يدري أين سيترك روحه بعد أن يغادر بيته صباحاً".
عقود من الهيستيريا
في لغة مقتصدة مفصلة على مقاس الضرورة الحكائية، قدم لنا الكاتب أمين الزاوي، الذي يكتب عادة باللغتين الفرنسية والعربية، حكاية أربعة عقود من تاريخ الجزائر عبر قصة عائلة النوري التي أصابتها لوثة الجنون دفعة واحدة، ولم ينجُ منها أحد سوى الابنة حليمة، مبيناً لنا تحولاتها الحياتية عبر السنين وتغير ظروفها عبر سرد غير خطي مبعثر تعددت فيه الأصوات؛ فتارة الراوي هو طفل صغير من العائلة، وطوراً يتدخل راوٍ عليم، ثم ينتقل الصوت لحليمة ومن ثم لأخيها عبد القادر، وبعدهم لبنعلال الرومي صاحب المخبز، ثم لأبي أرنب مولود الزين ولد الزين حارس حديقة الحيوانات التي أغلقت أبوابها بعدما اقتحمتها الجماعة واستباحتها، ليعود في النهاية إلى الطفل؛ فكنا نرى الأحداث من زوايا مختلفة ومتنوعة حسب راويها؛ مما عرض الرواية للانتقادات من القراء والنقاد على حد سواء بسبب الضياع الذي قد يواجهه قارئها. كما طغت على أجوائها صور من الواقعية السحرية؛ حيث الحمير الوحشية الصغيرة تسير في منزل الجيران، وشجرة الرمان تثمر رمانات مربعة، بالإضافة للقليل من السخرية السوداء في بعض الأحيان كقول أحدهم: "حكومتنا مثقفة وفنانة؛ تسمى البيرة باسم أبي نواس وتسمى النبيذ باسم عمر الخيام".
لكننا لا نستطيع إلا أن نعترف بأننا كنا أمام بورتريه روائي عائلي جميل وعميق، سبر أغوار النفس البشرية معرياً الشر داخلها، ما أعطى القصة واقعية وإن كانت حادة وصادمة قليلاً لكنها حقيقية.