إشكالية العلاقات الرسمية بين مصر وإيران
القاهرة - أقحمت إيران، بشكل غير مباشر، ملف عودة علاقاتها الدبلوماسية مع مصر في أزمتها المحتدمة مع الولايات المتحدة، لتوحي أن قوى إقليمية رئيسية في منطقة الشرق الأوسط تعارض المنطق الأميركي في التعامل بخشونة مع إيران، وتتحداها من خلال اتخاذ الخطوة المؤجلة المتعلقة برفع مستوى العلاقات معها.
لم يُلغِ نفي القاهرة عودة العلاقات رسميا الأثر السياسي الذي أحدثه ممثل رعاية مصالح طهران في مصر، الذي فُهم باعتباره تحصيل حاصل لسلسلة من الحوارات المشتركة.
اهتمت وسائل إعلام إسرائيلية بالحديث الإيراني عن مصر، وتعامل معه بعضها على أنها خطوة متوقعة بعد عقد عديد من اللقاءات بين مسؤولين في مصر وإيران على هامش لقاءات دولية مختلفة، وتبادل الاتصالات الهاتفية بين وزيري الخارجية في البلدين بوتيرة سريعة، ومشاركة القاهرة في تحركات حثيثة ترمي إلى إيجاد حل لأزمة الملف النووي الإيراني، ومنع تصاعد حدة الموقف بين واشنطن وطهران.
لم يكن حديث مسؤول رعاية المصالح الإيرانية في مصر هو الأول من نوعه عن عودة العلاقات المجمدة، فقد سبقته تسريبات عدة، وفي أوقات متباينة، لوسائل إعلام في طهران، أفادت معظمها أن العلاقات مع القاهرة قاب قوسين أو أدنى من استرداد عافيتها، وفي كل مرة يتكرر النفي المصري تلميحا أو تصريحا.
مهما كان شكل التطور الذي شهدته العلاقات بين الجانبين، إلا أن القاهرة لديها حسابات دقيقة لاختيار التوقيت المناسب كي لا تبدو خطوة العودة موجهة إلى أي قوة إقليمية أو دولية، وقد تستثمرها جهات باتت منزعجة من حجم التقارب بين مصر وإيران مؤخرا من دون الإعلان رسميا عن عودة العلاقات.
لا يحتاج الحوار بين البلدين إلى قرار صريح لاستئناف العلاقات الدبلوماسية، فما يقوم به مكتبا رعاية المصالح في طهران والقاهرة لا يختلف كثيرا عن عمل السفارات التي تملك علاقات طبيعية. يوحي ما يجري من نقاشات حول عدد من القضايا الإقليمية بوجود تفاهمات كبيرة بينهما، وتم تجاوز مرحلة المخاوف المصرية من تصرفات إيران في المنطقة وتدخلاتها في عدد من دولها، ونجحت طهران في طمأنة القاهرة من خلال تجنب المساس بالأمن القومي لمصر عبر أذرعها المنتشرة في المنطقة.
كشف ممثل رعاية المصالح عن جانب من المستور في العلاقات بين إيران ومصر، فلا يمكن أن تتبنى القاهرة مقاربة تهدف إلى إيجاد حلول للأزمات المشتعلة وهي على خلاف حاد مع طهران، وما لم تكن العلاقات السياسية جيدة لن نرى زيارات واتصالات ومشاورات متبادلة بينهما، ويتطلب المتر الأخير للإعلان عن عودة العلاقات الدبلوماسية مناخا مناسبا كي لا يُفهم على أنه موجه ضد أي جهة، ولا تريد مصر الصبورة والمنفتحة والمحايدة وضعها في سلة واحدة مع إيران في هذا التوقيت.
من يعرف السياسة الخارجية المصرية يجدها، في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي، تقوم على تعدد الجبهات، بعيدة عن وضعها في خندق طرف لمواجهة طرف آخر، تحرص على الانحياز للسلام على حساب الحرب، تسعى إلى إطفاء كل الصراعات في المنطقة خوفا من انفلاتها وعدم السيطرة على تداعياتها، تعتمد على توازنات دقيقة في علاقاتها الإقليمية والدولية، وتجتهد في إعادة هندسة المنطقة على أسس موضوعية.
تتعامل مصر مع كل من إسرائيل وتركيا وإيران، ولها علاقات جيدة مع كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين. في هذا السياق يجب فهم دواعي انفتاح القاهرة على طهران تدريجيا، وأي حوار مع إيران يأتي من منطلق أنها قوة إقليمية رئيسية وليست شاردة، يمكن تهذيب سلوكها بالحوار بدلا من الصدام، تحاشي الفوارق المرتفعة في التكلفة المادية التي يؤدي إليها اختيار طريق الصدام. هي قوة نووية محتملة، بينما إسرائيل قوة نووية فعلية لا يتم الاقتراب منها. لتجاوز هذه المفارقة تلوح مصر من وقت لآخر بإعلان منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية.
تخطت عودة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإيران إشكالية الدور المزعج الذي تقوم به طهران في الخليج العربي وتدخلاتها الكثيرة في شؤون دوله، وذلك بعد المصالحة السياسية بين إيران والسعودية، وتحسن العلاقات مع دولة الإمارات، وتجاوز إشكالية التدخل في الشؤون المصرية، وإيواء عناصر متطرفة وإرهابية على أراضيها، وتراجع تغليب منطق الثورة على السلطة في الخطاب الإيراني.
بقي عنصران أساسيان يمثلان إشكالية حقيقية في عودة العلاقات بين مصر وإيران، يحتاج كلاهما بعضا من الوقت كي يبدو ناضجا، أو تحدث تحولات دراماتيكية في منطقة الشرق الأوسط تنهي ما يمكن وصفه بـ"تمهل" القاهرة في الإعلان عن خطوة تتشوق إليها طهران، وتراها تزيد من رصيدها الاستراتيجي بعد أن بدأت تفقد جانبا كبيرا من أرصدتها الحيوية في كل من سوريا ولبنان والعراق واليمن وقطاع غزة.
العنصر الأول: يتعلق بالولايات المتحدة، ففي خضم الاستعدادات الأميركية العسكرية لتوجيه ضربة إلى طهران سيُفهم إعلان عودة العلاقات رسميا تحديا سافرا من القاهرة لإدارة الرئيس دونالد ترامب التي تحشد ضد إيران وتهيئ المسرح الدولي للتعامل معها كدولة منبوذة، وهو ما يفسر النفي السريع لكلام مسؤول رعاية المصالح الإيراني. مصر لا تريد خسارة الولايات المتحدة ومناكفة رئيسها في أحد أهم أولوياته الخارجية حاليا.
العنصر الثاني: يخص الحديث عن تشكيل محور يضم مصر والسعودية وتركيا، مدعوما من الصين وروسيا، وفي خلفيته ربما تظهر إيران من بعيد، بهدف ضبط التفاعلات الإقليمية، ومنع تغول إسرائيل على المنطقة، وأي ضربة عسكرية قوية يمكن أن توجه إلى إيران وتفضي إلى سقوط نظامها سوف تضع المنطقة فوق فوهة بركان يصعب تطويقه عقب انفجاره، يؤدي إلى فوضى لا أحد يضمن مآلاتها الأمنية.
الغرض من تحركات مصر نحو إيران وغيرها من القوى الرئيسية في الوقت الراهن هو وقف التدهور المتوقع في المنطقة، التأسيس لبناء نظام إقليمي لا يمنح الولايات المتحدة فرصة لابتزاز دوله، وعدم السماح بهيمنة طاغية لإسرائيل على مفاصل منطقة تعاني من اختلالات هيكلية، سوف يزداد الخلل مع انهيار النظام الحاكم في إيران تحت وطأة عمل عسكري كبير وبلا ترتيبات سياسية للمرحلة التالية.
يفسر هذان العنصران جزءا مهما مما يدور في عقل كل من القاهرة وطهران، والأسباب التي دفعت إلى تحسنهما بلا إعلان رسمي لاستئناف العلاقات الدبلوماسية، الأمر الذي لم يستوعب دوافعه مسؤول رعاية المصالح الإيرانية بمصر، وما دفع الأخيرة إلى التبرؤ من تصريحه هو أن الأجواء العامة غير مستعدة لتقبل هذه الخطوة حاليا، واختلاف رؤية القاهرة عن طهران في التعامل مع المعطيات الإقليمية والدولية.