الجامعة العربية في مرمى النيران الخليجية

هل يكتفي نبيل فهمي بالجلوس على مقعد ترهل كثيرا وهو رجل معروف عنه الصراحة والوضوح والمكاشفة والجرأة؟

القاهرة- فجرت الحرب الإيرانية نقاشا جديدا- قديما حول أهمية جامعة الدول العربية والدور التضامني الذي يجب أن تقوم به. تعرضت المؤسسة العتيقة لانتقادات حادة بسبب اخفاقها في أن تكون على مستوى الأزمة التي تعصف بمصالح عديد من الدول العربية. تصاعدت الاتهامات للمطالبة بإغلاق أبوابها وتخطيها كأداة للعمل المشترك.

تزامنت الانتقادات والاتهامات مع تعيين وزير خارجية مصر الأسبق نبيل إسماعيل فهمي أمينا عاما للجامعة العربية. يتسلم عمله بدءا من يوليو/تموز المقبل خلفا للأمين العام أحمد أبوالغيط. هذا لا يعني أن الهدف تخريب مهمة فهمي قبل أن تبدأ.

الجدل بشأن دور الجامعة لم يتوقف منذ زمن. يصعد ويهبط، يتسع ويضيق، وفقا للتطورات على الساحة العربية، وحجم التحديات التي تواجه منظومة العمل المشترك. فضلا عن الفشل في تبني رؤى متقاربة للتعامل مع الأزمات المفاجئة والمزمنة منذ سنوات.

يخطيء من يعولون على دور مؤثر للجامعة العربية. يتجاهل هؤلاء أنها مظلة لكل الدول العربية. المخرجات التي يمكن الحصول عليها حاصل جمع المواقف العربية المتفرقة والمتضاربة والمتناقضة.

من الطبيعي أن تنعكس هذه الملامح على الأداء العام لهذه المؤسسة. رأينا عجزا فاضحا في مواجهة الصراعات والنزاعات والحروب التي اندلعت في المنطقة وداخل بعض الدول العربية. لم تكن الجامعة على مستوى تطلعات الشعوب وأحلامها وتطلعاتها حيال وضع حد للأزمات التي تكاثرت.

يزداد الحرج عندما تكون الأزمة لها تشابكات ومواقف متباينة. أُثير لغط حول حسابات عدد من الدول العربية في الحرب الإيرانية. لم يتمكن بعضها من التفرقة بين تعرض الدول الخليجية وكل من العراق والأردن لضربات عسكرية استهدفت مؤسسات مدنية من قبل طهران وبين تعرض إيران لاعتداءات من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل. لم يفلح التنديد لما قامت به طهران ضد دول الجوار في اطفاء النيران الخليجية.

تعرضت الجامعة العربية لوابل من الشكوك. فجرها مواطنون وسياسيون وخبراء خليجيون. اعتقدوا أنها مؤسسة للعمل المشترك يمكنها ترك بصمات عملية لصالح الدول الخليجية.

معظم هذه الدول يساهم بجزء معتبر في تمويل الجامعة العربية. خيبة الأمل جاءت من ارتفاع سقف التوقعات. الوقوع في فخ المفاضلة بين إيران وإسرائيل. تجاهل التهديدات التي مثلها النموذج الإيراني على مدار العقود الماضية.

تضاعف المأزق من المعاناة المتجذرة في هياكل الجامعة العربية. لم تنجح في تقديم مقاربة تنهي صراعا أو توقف حربا في أي دولة عربية. خضعت لتوازنات هشة بين من يسيطرون على قراراتها ويتحكمون في مفاتيح تحركاتها. رضخت لمعادلة تؤكد وجود دول رئيسية وأخرى هامشية.

كشفت التصورات السلبية التي تراكمت خلال سنوات من الإخفاقات السياسية عن أزمة مركبة تعيشها مؤسسة الجامعة العربية.

تطرح التطورات الإقليمية الحالية على الأمين العام الجديد نبيل فهمي مجموعة كبيرة من الأسئلة الصعبة بحاجة إلى إجابات شافية قبل أن تستفحل الأزمة التي تضرب فكرة تأسيس الجامعة العربية.

تكاد الأوضاع العامة أن تدخلها في مرحلة عميقة من العجز يصعب تجاوزها في المدى المنظور. ربما تلغي الدور المعنوي الذي تلعبه بعد أن تراجعت عن الحفاظ على الحد الأدنى من العمل المشترك.

هل يكتفي فهمي بالجلوس على مقعد ترهل كثيرا وهو رجل معروف عنه الصراحة والوضوح والمكاشفة والجرأة؟ هل يقبل شغل منصب في مؤسسة رمزية لا تحمل مضمونا ملموسا لمهمتها الحقيقية في الدفاع عن مصالح كل الدول العربية؟ هل يملك نبيل فهمي خطة لتطوير العمل المشترك أم يمضي على درب أسلافه ويقضي فترته على رأسها من دون تحريك المياه الراكدة في جدرانها؟ هل العقبات التي تواجه العمل العربي سوف تدفعه إلى التفكير في بذل جهود تتناسب مع تاريخه الدبلوماسي العريق للتغلب عليها، أم يستسلم للعجز ويظل مسؤولا بلا أجنحة؟

من حسن حظ السفير نبيل فهمي أنه ذو خبرة دبلوماسية كبيرة وحنكة سياسية لافتة. ويتقلد منصبه بالتوافق. الأجواء التي جاء فيها ترشيحه لا توفر رفاهية للخلاف حول شخصه وجنسيته المصرية، لكنها وفرت وضعا ملائما للحديث عن مهمته خلال الفترة المقبلة.

الحالة التي تعيشها المنطقة العربية خطيرة ومفصلية. إما أن تخرج منها الجامعة أشد عجزا وأكثر كسلا أو تستفيد من تجربة الحرب الإيرانية ويتم إعادة صياغة تصورات سياسية وأمنية واقتصادية تتولى وضع آليات للعمل المشترك.

 آليات تجاوز صعوبات ترسخت على مدار عقود، جعلت من الجامعة كيانا متفسخا. أصبحت منتدى يقتصر دوره على بيانات شجب وإدانة ودعم وتأييد ورفض. مؤسسة لا تعبر عن طموحات شعوب اعتقدت أنها قادرة على الدفاع عن الأمن القومي العربي.

ما جعل الجامعة العربية في مرمى النيران هو الاكتفاء بالدور المعنوي. حتى هذه الميزة يمكن أن تتلاشى. لم يبذل الأمناء العامون السابقون جهودا كبيرة لتطوير العمل المشترك. بدا غالبيتهم متفرجون. يرون الأوضاع تشتد تأزما بلا رؤية. هناك من رفع صوته للإصلاح بلا جدوى ومن راهن على تدويل منصب الأمين العام وعدم حصره في مصر كدولة مقر.

تجاهل الجميع أن الأزمة أكبر من الصياح وأكثر خطورة من التدوير. الهياكل الرئيسية أصابها العطب. تقديرات الدول الأعضاء باتت متدنية.

هناك من فقدوا الثقة في قدرتها على تحقيق التطلعات، وأنها تعبر عن مرحلة جرى تخطيها. ظهورها أصلا جاء في خضم فوران قومي عربي، بينما الوضع الحالي يسير في اتجاه آخر ضد هذا التيار. اتجاه يرى أهمية قصوى في تنويع العمل المشترك والحد من الشغف بهذه المؤسسة التقليدية.

في المقابل ثمة من يرون أن اللحظة الخليجية الراهنة تتطلب تكاتفا عربيا. حاجة كبيرة إلى ترتيبات أمنية تتواءم مع التطورات، تعيد الزخم للعمل العربي المشترك. يقينا أن الحرب الإيرانية سوف تؤدي إلى نتائج تفرض إعادة النظر في بعض المسلمات، بينها أن الجامعة العربية بمفردها قادرة على الدفاع عن الأمن القومي. تشكيل تحالفات مع دول غير عربية يمثل حماية أمنية ضرورية في مواجهة دول إقليمية متمردة.

تشير التجربة مع إيران إلى أن التوجهين أخفقا في الحفاظ على أمن دول الخليج ومنع المساس به. على الأقل لم يحققا الأهداف المرجوة منهما. تتجه الأنظار نحو ترتيبات جديدة ربما لا تكون الجامعة العربية رافعة مثالية فيها، ما يجعلها هدفا سهلا لتصورات ترى أهمية في طي صفحتها بالشكل الذي أدى إلى حرف دورها عن مساره والبحث عن أدوات ناجعة، عربية أو غير عربية، تستطيع مواجهة المستجدات الإقليمية.