'الحرية تقود الشعب'.. أدخلت رسامها التاريخ من أوسع أبوابه
في العام 1830، وعندما كان الشعب الفرنسي يثور ضد الملك شارل العاشر لاستعادة جمهوريته المسلوبة من قبل النظام الملكي الذي ثار عليه لأول مرة عام 1789، كان هناك فنان يراقب هذا الحدث العظيم ويتلقفه ليحوله إلى لوحة فنية أسطورية سيخلدها الفن الفرنسي والعالمي لاحقاً، لتصبح رمزاً ومرادفاً لكلمتي الثورة والحرية، وسيعنونها "الحرية تقود الشعب". هذا الفنان هو يوجين ديلاكروا (1798–1863)، الذي أرسل رسالة لأخيه أثناء إنجازها يقول له فيها: "يتلاشى مزاجي السيئ بفضل العمل الشاق، لقد شرعت بموضوع جديد وهو المتراس، فإذا لم أقاتل من أجل بلادي سأرسم لأجلها على الأقل".
وتظهر في اللوحة امرأة عارية الصدر تحمل العلم الفرنسي في يد، والبندقية في اليد الأخرى، ملتفتةً للوراء تنظر إلى الناس الثائرة التي احتشدت خلفها، وتقف على جثث القتلى الذين سقطوا بالرصاص. وعلى يمينها يقف صبي صغير يحمل مسدسين في كلتا يديه، وعلى يسارها رجل نبيل بكامل أناقته ويحمل بندقية بيده، وبقربه يقف رجل من الفقراء يستل سيفاً بيده، وعلى الأرض رجل جاثٍ ينظر إليها برجاء، وكأن الخلاص يتجلى بهذه المرأة التي هي "ماريان" التي فتحت باب منزلها وخرجت لتقود الثائرين. وماريان ترمز إلى فرنسا وإلى الجمهورية التي يناضل الشعب لاستعادتها بثورته هذه، محطماً سجن الباستيل الشهير، رمز الاستبداد حينها، والذي يظهر في عمق اللوحة وهو يحترق.
وقد عُرضت اللوحة للمرة الأولى في الصالون الباريسي عام 1832، لتطلق شهرة ديلاكروا، وتشتريها منه الحكومة الفرنسية بثلاثة آلاف فرنك، وتعرضها في قاعة العرش في قصر (لوكسمبورغ) للتذكير بالملك لويس فيليب الملقب بـ"المواطن الملك"، والذي وصل إلى السلطة من خلال ثورة 1830. لكنها لن تبقى معلقة هناك طويلاً، إذ أُعيدت إلى ديلاكروا في العام نفسه بسبب خطورة موضوعها، وخصوصاً بعد تمردٍ حصل في العام نفسه، ليُمنع عرضها سنوات طويلة، رغم عرضها مرة ثانية في الصالون عام 1855، لتُعرض بعدها في متحف اللوفر عام 1874 وتبقى هناك.
وقد ألهمت لوحة "الحرية تقود الشعب" الكثير من الشعراء والأدباء والرسامين بعد عرضها، وأصبحت مرجعاً لهم، ومن هؤلاء الأديب الفرنسي الكبير فيكتور هوغو، الذي كان صديقاً لديلاكروا، والذي كان بدوره قارئاً نهماً للأدب. ويقال إن شخصية "جاروتشي" في رواية "البؤساء" لهوغو مستوحاة من شخصية الصبي الذي يحمل المسدسات ويقف بجانب ماريان، لأن الرواية تصف التمرد الذي حدث بعد عامين من ثورة يوليو 1830.
كما ألهمت اللوحة الفنان النحات فريدريك أوجست بارتولدي في تصميم تمثاله المسمى "الحرية تنير العالم"، والذي سُمّي لاحقاً بتمثال الحرية، وأهدته فرنسا إلى الولايات المتحدة الأمريكية لينتصب في مدينة نيويورك بعد خمسين عاماً من رسم ديلاكروا لوحته. وهو تمثال يحمل شعلة في يده، ويصبح أحد رموز المدينة البحرية وأحد أشهر معالم العالم.
جحيم دانتي:
كانت البداية الحقيقية ليوجين ديلاكروا في العام 1822 مع لوحته البديعة "قارب دانتي"، والتي استوحاها من كتاب "الكوميديا الإلهية" لشاعر إيطاليا العظيم دانتي، في قسمه الأول المعنون "الجحيم"، وتحديداً القصيدة التاسعة. ليصور لنا في اللوحة دانتي وهو يعبر نهر ستيكس على ظهر المركب الذي يجمعه بفرجيل، شاعر العصور القديمة صاحب "الإنياذة". وخلفهما تظهر مدينة الموتى وهي تحترق، وحول المركب أناس يحاولون التمسك به كي لا يغرقوا، وبعض مخلوقات الجحيم التي تحاول إغراقه، مع محاولة فيرجيل تثبيت دانتي حتى لا يقع من على المركب.
وتُعد هذه اللوحة بداية التحول في مسار الرسم السردي، والانتقال من المدرسة الكلاسيكية الجديدة إلى المدرسة الرومانسية التي أسسها ديلاكروا بهذه اللوحة وبأعمال ملحمية لاحقة. وقد رفض يوجين، بعد الانتهاء منها، الذهاب إلى روما في إيطاليا للمشاركة في مسابقتها الفنية الكبيرة والمنافسة بلوحته هذه، على الرغم من أن موضوعها يهم الإيطاليين كثيراً، فكتاب "الكوميديا الإلهية" لدانتي يمثل لهم إرثاً كبيراً يذكرهم بشاعرهم العظيم، وبالتأكيد كانت حظوظها في الفوز وقبولها الجماهيري مرجحة أكثر من بلده فرنسا. لكنه اكتفى بعرضها في الصالون الباريسي عام 1822، ولم تلقَ إعجاب الجماهير والنقاد في حينها، على الرغم من أنها ستصبح لاحقاً من أهم مقتنيات متحف اللوفر في باريس، وستغري الكثير من الفنانين والشعراء بالعودة إليها، وحتى السينمائيين في العصر الحديث، كما فعل المخرج الهولندي الشهير لارس فون ترير حين أعاد تجسيدها في فيلمه (المنزل الذي بناه جاك – 2018)، الفيلم الذي يحكي قصة القاتل الأميركي المتسلسل جاك، الذي عاش في سبعينيات القرن العشرين، ويروي جرائمه على مدار 12 عاماً من منظوره وفلسفته الخاصة، حيث أدى جاك دور دانتي في المشهد المستعاد من اللوحة، ويدور حوار بينه وبين فيرجيل محاولاً فيه شرح فلسفته للأخير، لكن فيرجيل يقول له منذ البداية: "لا تعتقد أنك ستخبرني بشيء لم أسمعه من قبل".
ولا بد أن نذكر أيضاً أن الحكومة الفرنسية اشترت اللوحة من ديلاكروا حين عرضها بمبلغ 23000 فرنك، لتعرضها في قصر لوكسمبورغ، ويعتبر هذا المبلغ كبيراً جداً يدفع لفنان في تلك الأيام، لتستقر اللوحة لاحقاً في متحف اللوفر وتبقى هناك.
ديلاكروا والشرق:
في العام 1834 رسم ديلاكروا لوحته الشهيرة "نساء الجزائر"، والتي تصور ثلاث نساء جزائريات مفترشات الأرض في صالون منزلهن، ومعهن خادمة سوداء، وإحدى النسوة تدخن النرجيلة. ويقال إن الرسام قد رسم هذه اللوحة بعد مشاهدته لهن أثناء زيارته وهران والجزائر العاصمة خلال رحلته إلى بلاد المغرب العربي، التي زارها برفقة وفد دبلوماسي فرنسي بأوامر من الملك في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. لكن البعض يرى أنها من وحي خياله، لأنه كان من المستحيل في تلك الأيام أن يدخل رجل غريب إلى "الحرملك" في الجزائر أو أي دولة عربية أخرى ويلقي نظرة على النساء بكل أريحية، إلا إذا كان هذا المكان ماخوراً، والنساء اللواتي يظهرن في اللوحة غانيات بانتظار الزبائن.
وقد كثرت التأويلات بشأن هذه اللوحة، التي قال عنها الرسام الفرنسي بيير أوغست رينوار، أحد رواد المدرسة الانطباعية: "لوحة نساء الجزائر بالنسبة إلي أجمل لوحة في العالم، آه كم هن شرقيات هاته النسوة، لاسيما تلك التي تعلق وردة في شعرها، والزنجية آه يا لها من امرأة تتحرك كزنجية تماماً".
ولا بد أن نذكر أن يوجين ديلاكروا أنجز عشرات اللوحات خلال حياته، ليتصدر المشهد الفني كأحد أساطير فرنسا الخالدين.