الشرق الأوسط يتغير جيوسياسيا

السلام الذي يريده الرئيس الأميركي سيصبح منقوصا إذا اقتصر على إيران والقضايا الثنائية بينهما ولم يكن مشمولا بما هو أبعد في المنطقة.

القاهرة- لا تزال الكلمات التي تحدث بها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو حول تمكنه من تغيير الشرق الأوسط ترن في أذان كثير من المراقبين. أعلن ذلك صراحة عقب حربه على جبهات متعددة. لا أحد أشار إلى نوعية التغيير وطبيعته الجيوسياسية وفي صالح من تصب محصلته النهائية. التطورات التي شهدتها المنطقة في الفترة الماضية ضربت الكثير من الترتيبات السائدة فيها منذ سنوات طويلة. هزت جملة كبيرة من الثوابت التقليدية التي لم يكن أحد يتخيل اهتزازها بهذه السرعة.

نجحت إسرائيل في مد نفوذها بعيدا داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وسوريا ولبنان. حاولت إلحاق هزيمة ساحقة بإيران في حربين كبيرتين اعتقادا أن طهران رأس حربة عسكرية ونووية واعدة تملك أوراقا إقليمية تستطيع أن تحركها في مواجهة إسرائيل.

يصعب القول حتى الآن إن تل أبيب حققت ما أرادته من تحولات هيكلية وإعادة واسعة لترتيب الأوراق في الشرق الأوسط بالطريقة التي تخوّل لها سيطرة تامة وتحصل على نفوذ لا تضاهيها فيه قوة رئيسية أخرى في المنطقة.

 كل ما حدث من تقدم بات مفتوحا على سيناريوهات مختلفة، بعضها يميل نحو دعم مركزية إسرائيل وتحالفاتها الإقليمية، لكن غالبيتها يعمل ضد مصالحها الحيوية في المنطقة.

تبدو إسرائيل قلقة للغاية من مآلات التسوية السياسية المحتملة التي يمكن أن تصل إليها الولايات المتحدة وإيران بعد عودتهما إلى طاولة المفاوضات. ثمة ملامح ذهبت إلى عزم الطرفين على الدخول في محادثات تؤدي إلى سلام دائم بينهما. يقود السلام المنتظر إلى التعامل مع طهران كرقم صحيح وليس مجزءا في المنطقة، كما أرادت تل أبيب، ما يهييء لها فرصة للحوار مع جيرانها على أسس جديدة.

تؤكد هذه النتيجة أن التغيير الحقيقي لن يرقى إلى طموحات القيادة الإسرائيلية الراهنة ويضعف إرادتها في توسيع نطاق نفوذها بما يتناسب مع أحلام قادتها في الحصول على ثمرة الحروب التي خاضتها مؤخرا على أكثر من جبهة إقليمية.

تشير المفاوضات التي بدأت الثلاثاء بين وفد لبناني وآخر إسرائيلي في واشنطن إلى أن ما تسعى إليه تل أبيب من سيطرة على جنوب نهر الليطاني لن يتحقق بسهولة أو بالقواعد التي بنتها، خاصة إذا أرادت أن تقوم بيروت بنزع سلاح حزب الله فورا وتمديد نفوذ الحكومة العسكري على جنوب لبنان. لن تحدث هذه الطفرة بلا تنازل من إسرائيل عن المنطقة الأمنية التي شرعت في تشييدها في الجنوب.

يسير ما يسعى إلى تحقيقه كل طرف في اتجاه مغاير وربما متصادم. دعم الحكومة اللبنانية في مواجهة حزب الله يتطلب تنازلات فورية والابتعاد عن التلكؤ الذي تجيده إسرائيل وما يحمله من مناورات عسكرية وألاعيب سياسية.

نجاح لقاء واشنطن من زاوية إعادة الاعتبار لرؤية لبنان مستقل يسقط واحدة من المسلمات الإقليمية التي تعزز قدرة بيروت على ترتيب الدولة وفقا لرؤيتها بعيدا عن حسابات إسرائيل الاستراتيجية. والأمر الذي ينسحب على سوريا أيضا، التغول الذي حدث في جنوب دمشق عقب سقوط نظام بشار الأسد يمكن مراجعته على نحو ما يُنتظر الوصول إليه في لبنان.

كما أن السيطرة على أكثر من نصف قطاع غزة بعد وقف إطلاق النار سيكون محل مراجعة إذا تطرقت التسوية المتوقعة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مجموعة من القضايا الإقليمية الحرجة لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة. لم تعد المسألة محصورة في نطاق الملفات المشتركة بينهما، يلعب تجاوزها إيجابا أو سلبا دورا مهما في تحديد شكل وحجم التغير الجيوسياسي في الشرق الأوسط. 

سوف يصبح السلام الذي يريده الرئيس الأميركي دونالد ترامب منقوصا إذا اقتصر على إيران والقضايا الثنائية بينهما ولم يكن مشمولا بما هو أبعد في المنطقة. يقود تجاهل لبنان والقضية الفلسطينية، وترك سوريا مستباحة أمام إسرائيل وتركيا إلى توترات على فترات متقطعة، ما يعني أن التغير الذي يريده نتنياهو لم تظهر معالمه بعد. من الخطأ البناء على الانجازات الحالية، لأن أركانها الشاملة لم تتكشف.

 تدل الاستباحة شبه الكاملة من قبل تركيا وإسرائيل للأراضي السورية على أن مواجهة عسكرية من غير المستبعد حدوثها قريبا. الاشارات التي أوردتها بعض وسائل الإعلام في البلدين تقول إن ثمة خلافات كبيرة تعتمل تحت السطح وترهات تتردد فوقه، يمكن أن تنفجر في أي لحظة وتتسبب في فوضى عارمة بالمنطقة لا تقارن بما جرى بعد اندلاع الحرب الإيرانية.

ينطوي التنويه إلى وجود خصومة بين تل أبيب وأنقرة بسبب قدرة نتنياهو على إعادة هندسة المنطقة بما يخدم بلاده، على أن المسافات متباعدة بينهما وهواجس من تحويل الرؤى النظرية لإجراءات عملية.

حتما سنرى تغيرات جيو سياسية في منطقة الشرق الأوسط تهز جوانب في الموروث العسكري وتوازناته، لكن ليس بالضرورة أن تكون في صالح إسرائيل أو بالشكل الذي رسمه رئيس حكومتها وأعلنه أكثر من مرة.

يوجد تصادم واضح في الترتيبات التي تتبناها إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وهي التي تسببت في الحرب الحالية وما أدت إليه من تطورات قاتمة، أبرزها غلق مضيق هرمز من قبل طهران، وفرض واشنطن حصارا بحريا تتخطى ملامحه استهداف إيران وحدها.

المشكلة أن التصورات التي يتبناها كل طرف من القوى الثلاثة السابقة تغفل ترتيبات تقوم قوى أخرى بإعدادها بهدوء. زادت التحركات مع حديث إسرائيل المتكرر عن تغيير الشرق الأوسط. هناك تحركات تقوم بها الدول السنية: مصر وتركيا وباكستان والسعودية، لم تتبلور ملامحها. توجد أجندة خفية تملكها الصين، وطموحات كبيرة لدى روسيا. بين كل هؤلاء لم يحدد أحد موضع دول الخليج العربي في التحولات المتوقعة.

يمكن أن تكون دول الخليج قاسما مشتركا في غالبية الترتيبات ومساراتها المتضاربة، بالإضافة أو الخصم وهو ما يجب الالتفات إليه في كل ما يتم تداوله من أفكار وطروحات إقليمية. لن تستطيع القوى الراغبة في تدشين تصوراتها في غياب الثقل الخليجي. يمثل معادلة وازنة لأي جهة.

قد يكون هناك تباين في التوجهات أو تباعد في تصرفات دول الخليج العربي، لكن لا أحد ينكر أنها تعرضت لتهديدات من جانب إيران، وتحملت أعباء جسيمة بسبب التحالف مع الولايات المتحدة.

تضعها كل من إسرائيل والكتلة السنية الصاعدة (مصر، تركيا، باكستان، والسعودية) في بؤرة الاهتمامات خلال الفترة المقبلة. سوف ترجح كفة أي منهما في حالة إنحيازها إلى أي من الفريقين جماعة أو فرادى. من حقها وضع شروطها لنوعية العلاقة مع إيران. لن يصبح التغير المنتظر جيوسياسيا دون التعرف على بوصلة دول الخليج.