الصين وروسيا والحرب الإيرانية
تجنبت وسائل الإعلام الأميركية التركيز على أدوار كل من الصين وروسيا خلال الأيام الأولى للحرب الإيرانية. قبل يومين بدأت حالة من التركيز على إمكانية وجود أدوار خفية لكليهما في الحرب الجارية.
تواتر الحديث في بعض الصحف حول تقديم مساعدات تقنية لطهران. تمكنها من مراقبة أهداف أميركية حيوية وضربها. دللت الصحف التي تطرقت إلى هذا الأمر على دقة الضربات في الوصول إلى أهداف عسكرية ومدنية تابعة للولايات المتحدة في عدد من دول الخليج ومحيطها الإقليمي.
لم تعقب الصين أو روسيا على المعلومات المتناثرة في هذا الشأن. لم تطلب أي منهما عقد جلسة لمجلس الأمن. لم تعترف إحداهما بتقديم مساعدات عسكرية تقنية إلى طهران. تُرك الأمر لتفسيرات متباينة من قبل المسؤولين في واشنطن واجتهادات مختلفة من جانب بعض الخبراء العرب.
ولا يزال موقف بكين وموسكو على قدر من الالتباس العام. ثمة تقديرات أشارت إلى إنحياز البلدين سرا إلى طهران بحكم ما يربطهما من علاقات وثيقة واتفاقيات عسكرية عديدة ورغبة في مضايقة واشنطن وتقويض نفوذها عبر انخراطها في حرب مفتوحة.
لم نشهد علامات محددة لأي من هذه التوقعات. كأن الولايات المتحدة وإسرائيل خاضتا الحرب في مواجهة إيران بعد ضمان تحييد الصين وروسيا أو الاطئنمان إلى عدم مشاركتهما. تبدو الحرب التي خطط لها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب تسير وفقا لرؤيتهما. لن تكون هناك ممانعات دولية كبيرة. ولن نرى ملامح استنفار يؤدي إلى غليان داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ففي حروب وأزمات سابقة وظفتا بكين وموسكو المنظمات الأممية لتثبيت اختراق واشنطن وتل أبيب للقانون الدولي. لكن في الحرب الإيرانية اختفى صوتيهما تقريبا.
كان المعيار الظاهر في الميل نحو صمت روسيا والصين هو قبول الأولى ما حدث في سوريا حول إنهيار نظام الرئيس بشار الأسد وعدم الاعتراض على الترتيبات اللاحقة بكل ما تنطوي عليه من تداعيات على المصالح الروسية في الأراضي السورية. وقيل وقتها إن صفقة عقدت تقضي بأن تطلق واشنطن يد موسكو في حرب أوكرانيا، مقابل عدم تصدي الثانية لقوات جبهة تحرير الشام أو اعتراض طريقها وهي تزحف نحو دمشق. ظهرت معالم من هذه الصفقة في الواقع فعلا.
امتصت الصين ما قامت به الولايات المتحدة في فنزويلا من أسر رئيسها مادورو نجاحها في وضع يديها على نفطها. وهو أحد مصادر الطاقة المهمة التي تعتمد عليها بكين. ويعني تمكن واشنطن من السيطرة على النفط الإيراني بجانب الفنزويلي أنها تتحكم في 31 بالمئة من مصادر النفط في العالم. وتحرم الصين من أهم دولتين تقوم باستيراد جزء معتبر من احتياجاتها النفطية منهما.
لا تكفي هذه الاستنتاجات لتبرير موقف كل من الصين وروسيا في مسألة الابتعاد عن إيران في حرب مصيرية. هناك جوانب أخرى لعبت دورا مهما في الوصول إلى المعادلة الراهنة التي تبدو فيها بكين وموسكو بعيدتين عن طهران. في مقدمتها أن مصلحة البلدين تقضي بترك الولايات المتحدة دخول مستنقع إيران، الذي يصعب الخروج منه سريعا وبسهولة. مساحة إيران كبيرة (تبلغ 1.6 مليون كيلو مترمربع) والتحكم فيها يتطلب وقتا طويلا. يصطحب معه غالبا مسيرة من الاستنزاف العسكري والاقتصادي يؤثر على نفوذ الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.
تعلم الصين أن السيطرة على فنزويلا وبعدها إيران وفقا للسيناريو الأميركي له تبعات اقتصادية. ما جعلها تنوع مصادر الطاقة وتوازن تحالفاتها مبكرا. بكين كما هي علاقاتها قوية بطهران ترتبط بعلاقات جيدة مع غالبية العواصم الخليجية. يخفف قيام الولايات المتحدة بسحب منظومة رادارات ومعدات عسكرية من كوريا الجنوبية وتوجيهها إلى بحر العرب والخليح العربي بعض الضغوط الواقعة على بكين. ربما يمنحها حرية أكبر في المناورة لمزيد من التحكم في مفاتيح أزمة تايلاند مستقبلا.
تستفيد موسكو أيضا من الانشغال الأميركي وإطالة أمر الحرب على إيران في تعظيم فوائدها الاقتصادية والاستراتيجية. يؤدي إنسداد طريق الطاقة من الخليج العربي نحو أوروبا بعد التهديدات المحيطة بمضيق هرمز وصعوبة مرور سفن النفط والغاز منه إلى اجبار عدد من الدول الأوروبية للاعتماد على الاستيراد من روسيا وتفكيك ما واجتهه من تضييق منذ إندلاع حربها مع أوكرانيا.
أعلنت واشنطن قبل أيام تخفيف العقوبات على موسكو والسماح لها بتصدير كميات من النفط إلى الهند. ناهيك عن حجم المكاسب التي تجنيها روسيا عقب ارتفاع أسعار الطاقة في العالم بشكل كبير وحاجة دول أوروبية للحصول على الغاز الروسي.
تفكر كل من الصين وروسيا بصورة برجماتية في الحفاظ على مصالحهما. كل ما يهمهما تحقيق أعلى استفادة سياسية واقتصادية واستراتيجية. لم يرتبط أي منهما بتحالفات عسكرية مع إيران تقضي بدعمها عند دخولها حربا وإنقاذها عندما تواجه شبحا يهدد مصيرها.
إذا كانت إيران قدمت مساعدات في شكل مسيرات متقدمة إلى روسيا في خضم حربها مع أوكرانيا، فهي في إطار صفقات مادية متبادلة لا تفرض التزامات عسكرية محددة.
كان موقف كل من الصين وروسيا من الحرب التي شنتها إسرائيل بمساعدة أميركية على إيران في يونيو- حزيران الماضي المعروفة بحرب الإثنى عشر يوما، بعيدا عن تطوراتها والمشاركة فيها عمليا. لكن لا يصلح ذلك ليكون مقياسا للحرب الراهنة. فما يجري حاليا لا يهدف إلى تقليم أظافر إيران، بل السيطرة على مفاصل الحكم فيها. وربما السماح بإنهيار الدولة ودخول مرحلة قاسية من الفوضى التي تعم البلاد.
إذا تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها الإستراتيجية في إيران بالسيطرة على القرار السياسي أو سيادة الفوضى، فموسكو ستكون من أكثر الدول المتضررة. فموقع إيران الجغرافي في الفناء الخلفي لروسيا يدفعها للتحسب من توظيف الولايات المتحدة لتواجدها في طهران. يقود ذلك إلى تأثيرات بنيوية وتغيير في المعادلات الدولية. روسيا التي أقامت منظومتها العسكرية على أساس استقرار إيران قد تتعرض لنعرات إقليمية تهدد وحدتها. كل فراغ يحدث في طهران يضع عبئا على كاهل موسكو.
يفضي نجاح الولات المتحدة في السيطرة على إيران أو حدوث فراغ إلى ارتباك في الحسابات الصينية، التي تعول كثيرا على مشروع الحزام والطريق لربط التجارة العالمية بأراضيها مرورا بإيران. وامتلاك واشنطن الولايات لزمام المبادرة ومضايقة بكين اقتصاديا. تنجم عن ذلك نتائج ضاغطة على صناعة القرار. الصين التي تتسلح باقتصاد قوي ستجد نفسها في مواجهة تميل لصالح واشنطن. يمكن أن تدخل أيضا حرب استنزاف لا تمكنها من مواصلة ما خططت له عالميا عبر تفوقها اقتصاديا.
يؤدي المشهد المعقد إلى وجود احتمال قوي لتدخل الصين وروسيا بجانب إيران. فما تخطط له الأخيرة هو توسيع نطاق الصراع ومحاولة قلب الطاولة على رأس الولايات المتحدة وكل حلفائها في المنطقة، والاتجاه نحو زيادة فرص الحرب بالوكالة. بقدر ما تستفيد بكين وموسكو من الاستنزاف الذي قد تواجهه واشنطن، تتحسبان من مغبة الخسارة الإيرانية وتأثيرها في تنامي النفوذ الأميركي في العالم. ما يشير إلى أن الحرب تأتي بعكس ما تتمناه الصين وروسيا.