المسارات الرمادية في الحرب الإيرانية

طهران ترى في هذه الحرب منحة لإحراج الولايات المتحدة وتثبيت أقدامها كقوة في المنطقة.

دخلت الحرب الإيرانية مسارا رماديا من جهة أطرافها الثلاثة الرئيسية. يتعامل معها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأدوات متباينة. لا يستطيع المراقبون ملاحقته في القبض على خيط واضح منها. تقدم تصريحاته استنتاجات عسكرية وجغرافية وزمانية مختلفة. تتعامل إسرائيل مع الحرب باعتبارها فرصة إستراتيجية، لكن قد تجد النتائج على خلاف التوقعات. هذا الأمر جعل اللجوء إلى خطاب متحرك وسيلة ناجعة. 

ترى طهران في هذه الحرب منحة لإحراج الولايات المتحدة وتثبيت أقدامها كقوة في المنطقة. تعتقد أن بقاء النظام الحاكم على قيد الحياة السياسية باب لتفويت الفرص على انجاز وشنطن وتل أبيب لما تحويه أجندتهما. 

تتصور إيران أن المواءمة بين المرونة والخشونة مع دول الخليج تخرجها من أحد أكبر التحديات الإقليمية التي تواجهها. تقصف مواقع في بعض الدول بذريعة الإضرار بالمصالح العسكرية الأميركية، إلا أن تأثيراتها كبّدت هذه الدول خسائر مدنية عدة.

فرضت تطورات الحرب على أطرافها الثلاثة (الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران) تغليب الفلسفة الرمادية في بعض القضايا الحيوية. استنادا إلى عدم امتلاك القدرة على المضي قدما في مسار واحد مستقيم. خوفا من حدوث مفاجآت ميدانية تلقي بظلال سلبية على حسابات كل طرف. 

ظهرت تجليات الخيار الرمادي في ستة ملفات مهمة. تعد أبرز المحاور التي يتم الحديث عنها حاليا. ربما تتقدم أو تتأخر في سلّم الأولويات، غير أنها تظل من أهم العناوين التي يتعامل معها المعنيون بالحرب الإيرانية.

الملف الأول: الجنرال وقت. تستخدم هذه العبارة لتأكيد الأهمية الفائقة التي ينطوي عليها عنصر الوقت في الحروب عامة. يلعب طوله أو قصره دورا في التأثير على مجريات أي حرب. رأت طهران أن هذا المحدد يخدم مصالحها عندما يزداد المدى الزمني. اعتقادا أن خصومها لن يتمكنوا من تحمل تكاليف إطالة أمد الحرب. 

بدأت هذه الرواية يتآكل جزء معتبر من مفاصلها مع كثافة الاستنزاف المادي ومضي الوقت دون أن تتوقف الحرب. تسبب ارتفاع الخسائر في البنية التحتية والعسكرية والقيادية في تقويض الرهان على عنصر وقت باعتباره المحور المفصلي.

حدثت تحولات عند "الجنرال وقت" في تقديرات كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. طفت علامات تذبذب في المدة الزمنية التي يحتاجها الطرفان لتحقيق أهدافهما. انتقلت من الحاجة إلى أربعة أيام أو أسبوع إلى فترة تتراوح بين أربعة إلى ستة أسابيع. ثم باتت الفترة شبه مفتوحة وبلا سقف زمني محدد. 

لجأ الرئيس ترامب أخيرا إلى المنطقة الدافئة أو الرمادية كي يوقف زحف المطالبات بالإعلان عن وقت معين لوقف الحرب. استخدم أحيانا العبارة العربية الشهيرة (نعم ولكن) للإيحاء بأن الحرب قد تتوقف في ظل شروط معينة يفرضها على إيران.

 الملف الثاني: إسقاط النظام الإيراني. كان هذا الهدف معلنا عقب الضربة الأولى التي تعرضت لها إيران. وراح ضحيتها المرشد على خامنئي وعشرات القيادات العسكرية والسياسية. مع مرور الوقت واختيار مرشد جديد (مجتبى خامنئي) تراجع هذا الهدف في بنك الأولويات. اختيرت مفردات تعبر عن إمكانية تحقيقه تدريجيا من خلال التحريض على اندلاع ثورة في الشارع الإيراني. استبدل لاحقا بظهور قيادات جديدة مرنة. المرونة من وجهة نظر ترامب تعني التفاهم معه والانصياع لمطالبه. 

جرى تعديل في ملف السقوط. وضع على الطاولة العسكرية والسياسية دون تحويله إلى شرط رئيسي. تأكدت واشنطن أن التركيز الذي حظي به خطاب سقوط النظام عزز موقف الحرس الثوري داخليا. الشعوب تظهر تعاطفا مع حكامها عندما ترى عدوانا خارجيا. تم التراجع عن تكرار الرغبة في حدوث السقوط سريعا. استعانت الولايات المتحدة بمفاهيم مطاطة. تمنحها براحا في الاستهداف ومناورة في الاخفاء.

الملف الثالث: اغتيال القيادات. سواء تأكدت رواية اغتيال أمين عام مجلس الأمن القومي علي لاريجاني يوم الثلاثاء أم لا، لن تتخلى الولايات المتحدة وإسرائيل عن رغبتها في التخلص من القيادات البارزة في طهران. المشكلة أن رحيل خامنئي لم ينه النظام سريعا ويفك قبضته على السلطة. 

كما أن رفع درجات الاستهداف غير مضمون أن تؤدي إلى إسقاطه. تقود إلى صعود قيادات شابة أكثر تشددا. كل الاغتيالات التي تعرض لها قادة حركة حماس ومن قبلهم قادة في حركة فتح لم تفلح في إنهاء القضية الفلسطينية. مصرع قادة كبار في حزب الله اللبناني لم يتسبب في إصابته بشلل تام في بنيته العسكرية ومكوناته السياسية.

يمكن أن تفضي الاغتيالات إلى خمول وعجز وفتور وكسل في البنى القيادية. لكن ليس بالضرورة أن تحقق تفوقا نوعيا للطرف الذي يقوم بها. لذلك لم يعد هذا السلاح مقدما في الأجندة الأميركية والإسرائيلية. دخل في حزام المنطقة الرمادية التي تجعله موجودا ولا يصبح خيارا وحيدا وسط جملة الأهداف المرجو تحقيقها في إيران. تحولت الاغتيالات من أداة إلى وسيلة تلعب دورا في هز أركان النظام الإيراني.

الملف الرابع. البرنامج النووي. دخل الرئيس ترامب هذه الحرب رافعا شعار لا لحصول إيران على قنبلة نووية. تجاهل حديثه السابق أن حرب الإثنى عشر يوما في يونيو/حزيران الماضي قضت على البرنامج النووي ونالت من نسبة التخصيب المرتفعة التي حققتها طهران. مثلت العودة إلى رواية حرمان إيران من القنبلة النووية عنوانا مهما في تصريخات ترامب. لم تعد الوحيدة. ألحقت بها روايات عدة. 

دخل الموضوع النووي حيزا مشكوك في جدواه. أشارت تقديرات إلى وجود نحو 450 كيلو من اليورانيوم المخصب تحت ركام المواقع التي تهدمت. حاولت روسيا استئناف عرض تخزين هذه الكمية لديها. دخل البرنامج النووي بكل ملحقاته نطاق التشويش من جانب الولايات المتحدة وإيران. لم يعد ضمن أولويات إسرائيل حاليا، يما يفيد أنها على يقين من تراجع تأثيره. انزلقت تطورات الحرب إلى طرق متفرقة.

الملف الخامس: التكلفة الاقتصادية. وضعت إيران في أجندتها ضرورة أن تتحمل الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة تكلفة اقتصادية باهظة من خلال استهداف سلسلة طويلة من المصالح الحيوية. رفع أسعار الطاقة في العالم. كنوع من الضغط على الإدارة الأميركية داخليا وخارجيا. حثها على الاستجابة لنداءات الدول المتضررة.

الواضح أن رفع مستوى التكلفة نال الجميع. الولايات المتحدة ودول الخليج وشريحة من المعنيين بالطاقة والتجارة في العالم. إيران نفسها سوف تزداد التكلفة الاقتصادية عليها إذا استهدفت بنيتها النفطية. لن تتمكن من الوصول إلى نصر إذا استهدفت حقول نفطية خليجية. الخسارة ستقع على الكل. من هنا ظهر تريث في التعامل مع قضية الطاقة. قبعت هذه القضية في الحظيرة الرمادية التي دخلتها ملفات أخرى.

الملف السادس: مضيق هرمز. أدى إعلان إيران عن منع مرور السفن عبر مضيق هرمز إلى صدمة مبكرة لدى الرئيس ترامب. يسعى إلى تدويله وتشكيل قوة لمرافقة السفن المحملة بالطاقة عند المرور. نزعت طهران جزءا من مفعول هذا الاتجاه بإعلانها السماح لمرور سفن لدول معينة صديقة. أصبحت واشنطن عاجزة عن استخدام القوة المفرطة لفتح المضيق، وغير قادرة على تشكيل تحالف دولي يساعدها على تفكيك المأزق. يمكن أن يظل هرمز في المنطقة الرمادية فترة طويلة.