بدأت عملية فصل لبنان عن إيران

سحب الدولة اللبنانية للحوار مع إسرائيل دون اعتداد بإيران سيكون أول مسمار كبير يتم دقه لفصل العلاقة بين حزب الله وطهران.

إذا كانت هناك نتيجة واضحة لما جرى في مفاوضات إسلام أباد بين الولايات المتحدة المتحدة وإيران يوم السبت، فهي أن عملية فصل مسار لبنان عن إيران بدأت أولى مراحلها التنفيذية، فقد فوتت واشنطن الفرصة على طهران لدخول المحادثات في باكستان بعد الاستجابة لتطبيق وقف إطلاق النار على لبنان بالتوازي مع إيران، حيث وصل الوفد الإيراني إلى إسلام أباد وجلس مع نظيره الأميركي في خضم ضربات قاسية وجهتها القوات الإسرائيلية على مناطق مختلفة في لبنان.

حدثت تهدئة نسبية في وتيرة التصعيد على بيروت، لكن التهديدات تواصلت عمليا ونظريا. توالت الضربات على مناطق عديدة في جنوب لبنان وبيروت. مارس رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه إسرائيل كاتس هوايتهما في الضغط على حزب الله وحكومة لبنان، وأكدا الإصرار على تحقيق أهدافهما الأمنية جنوب نهر الليطاني.

حقق تنصل الإدارة الأميركية من شمول وقف إطلاق النار لبنان هدفا إسرائيلية يتعلق بإمهالها بعض الوقت لتنفيذ ما أعلن عنه من ترتيبات أمنية في جنوبه. وحقق هدفا مزدوجا أميركيا- إسرائيليا في السعي لفصل مسار لبنان عن إيران، وعدم رهن كلاهما بالآخر.

ظهرت التجليات في الإعلان عن إجراء محادثات بين وفدين إسرائيلي ولبناني في واشنطن يوم الثلاثاء (14 أبريل/نيسان)، في وقت انطلقت فيه مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان دون التقيد بشرط وقف النار على لبنان.

يقوّض التزامن تمسك إيران بربط ملف لبنان بها. سجلت واشنطن نقطة في مرمى طهران عندما تفاهمت مع تل أبيب على خفض التصعيد بلا وقف للنار وسجلت نقطة ثانية عقب الاتفاق مع الحكومة اللبنانية على تكليف سفيرها في واشنطن بلقاء سفير إسرائيل بعيدا عن شرط طهران المتعلق بوقف إطلاق النار.

ويمكن أن تسجل نقطة ثالثة إذا التقى الوفدان في واشنطن الثلاثاء بعد تجميد المفاوضات في إسلام أباد.

تيقنت الإدارة الأميركية أن استسلام إيران لشروطها عملية صعبة في الحرب وعلى طاولة المفاوضات على الرغم من التفوق العسكري الميداني الذي حققته الولايات المتحدة، غير أنها لم تحقق أهدافها السياسية كاملة، أبرزها صفر تخصيب لليورانيوم، والحد من مدى الصواريخ الباليستية ووقف تعاونها مع الحلفاء والوكلاء والأذرع بالمنطقة في مقدمتهم حزب الله اللبناني. أضيف إليها فتح مضيق هرمز الذي تسيطر عليه طهران حاليا وتمنع عبور السفن منه إلا من خلال التنسيق معها، وتريد فرض رسوم عبور على كل سفينة تحمل نفطا وغازا وسلاسل امدادات تجارية.

أخفق الوفد الأميركي في تحقيق اختراق ملموس في أي من هذه الملفات على طاولة إسلام أباد، بل زادت إيران عليها مطالب أخرى من قبيل رفع التجميد المفروض على أموالها وأصولها والحصول على تعويضات مناسبة للحرب التي شنتها الولايات المتحدة ورحيل القواعد العسكرية عن منطقة الخليج.

وتيقن جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي وقائد وفد بلاده في إسلام أباد أن تصلب الوفد الإيراني لن يمكنه من تحقيق إنجاز في أي من القضايا الخلافية على رأسها قضية الحلفاء أو الوكلاء.

زادت آلية العمل على تفكيك أدوات القوة التي تملكها إيران تدريجيا. كان نصيب لبنان متقدما في الأجندة الأميركية. كل الاختبارات التي دخلتها واشنطن أثبتت لها أن نزع الأوراق التي تملكها طهران هو السبيل الوحيد لتجريدها من قوتها المادية.

وطالما بقيت في حوزتها العديد من الأوراق لن تتمكن الولايات المتحدة من إجبارها على القبول بمطالبها. وبعد تجربة العمل العسكري على نطاق واسع وعدم قدرته على تليين موقف إيران، أصبح الاتجاه كبيرا نحو التخلص من أدواتها المحورية.

يُوضع لبنان ضمن الأولويات القصوى لأنه أكبر ساحة استعرضت فيها إيران عضلاتها العسكرية ونفوذها السياسي على مدار سنوات طويلة. فشلت كل الحروب السابقة بين إسرائيل وحزب الله في فض العلاقة العضوية بينهما. أثبتت الحرب الأخيرة على إيران أن قوات الحزب رافعة إقليمية- عسكرية جيدة بعد كل الضربات التي تعرض لها في العامين الماضيين والتخلي عنه يفقدها أهم أذرعها في المنطقة ويمنح إسرائيل فرصة لتدشين منطقة آمنة في جنوب نهر الليطاني، على غرار ما قامت به في جنوب دمشق عقب سقوط نظام بشار الأسد، وما تنفذه في شرق قطاع غزة بعد حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 تحت مسمى الخط الأصفر.

تدعم الولايات المتحدة تحركات إسرائيل في لبنان تصريحا وتلميحا. يكمن الفرق في أن الأولى تريد تحقيق الأهداف عبر عملية تسوية سياسية، بينما الثانية تسعى إلى ذلك من خلال عملية عسكرية تفضي إلى سلام وفقا لأدبياتها الأمنية إلى أن يتم إنجاز الهدف المشترك المتمثل في عزل لبنان عن إيران وهي مقدمة لتكرار الفعل نفسه في العراق واليمن، حيث تعرضت مصالح إيران في العراق لخسائر فادحة بسبب الضربات المكثفة التي طالت قوات الحشد الشعبي.

كما تعرضت مصالح الولايات المتحدة في العراق لخسائر كبيرة أيضا، ما يجعل تفكيك العلاقة بين إيران والعراق، التي أسهمت واشنطن في توطيدها عن قصد أو جهل بعد غزوها للعراق، عملية حيوية ولها مآرب استراتيجية تسير على الدرب نفسه الذي يتم التخطيط له بشأن لبنان.

ترتفع أهمية فصم العلاقة بين إيران وجماعة الحوثي في اليمن قليلا عن حزب الله والحشد الشعبي لأن الحوثيين يتموضعون على مشارف باب المندب في جنوب البحر الأحمر.

انخراطهم في لعبة الممرات التي بدأتها طهران في مضيق هرمز يؤدي إلى أزمة مركبة في التجارة العالمية، ما يعني أن إنهاء التعاون والتنسيق بينهم وإيران لن يكون بعيدا عن سيناريوهات العزل التي تقوم واشنطن بهندستها بالنسبة لحزب الله والحشد الشعبي.

النجاح في كليهما أو أحدهما يمهد الطريق للنجاح مع الآخر، خاصة أن مسألة حلفاء ووكلاء إيران تثير غضبا إقليميا ودوليا عارما على إيران لدى دوائر عدة وتوفر ذريعة شكلية لتمادي إسرائيل في تهديداتها للدولة اللبنانية.

سحب الدولة اللبنانية للحوار مع إسرائيل دون اعتداد بإيران سيكون أول مسمار كبير يتم دقه لفصل العلاقة بين حزب الله وطهران، يتوقف تأثيره على مدى تجاوب الولايات المتحدة وإسرائيل مع مطالب بيروت التي لن تتمكن من نزع سلاح حزب الله بالقوة أو اللين، وفي ظل احتلال أراض في جنوب لبنان.

لذلك الخطوة العملية المركزية لفصل العلاقة بين حزب الله وإيران تكمن في مساعدة الحكومة اللبنانية ماديا ومعنويا كي يشتد عودها ولا تجد نفسها وسط حرب أهلية تتسبب في ترسيخ العلاقة بين طهران وحزب الله بدلا من فصلها.