بين النيران والارتداد والفرصة… أين يقف العراق إذا اهتزت طهران؟
منذ عام 2003 لم يعد العراق مجرد دولة خرجت من حرب وسقط فيها نظام سياسي، بل تحوّل إلى ساحة تماس جيوسياسي تتقاطع فيها مشاريع القوى الكبرى وتتصارع على أرضه حسابات إقليمية. ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في مطلع عام 2026، وعودة الحديث عن ضربة عسكرية محتملة إذا فشلت مسارات التفاوض النووي، يجد العراق نفسه مرة أخرى أمام اختبار مصيري: هل يكون مسرحًا لتصفية الحسابات، أم فاعلًا يسعى إلى إعادة تعريف موقعه في توازنات ما بعد الضربة؟
المشهد الإقليمي يوحي بأن أي عمل عسكري لن يكون محدود الأثر، فالتحركات الأميركية في مياه الخليج، والمهل السياسية المعلنة لطهران، والرسائل المتبادلة عبر التصعيد الإعلامي والعسكري، جميعها تعيد إنتاج مناخ ما قبل الانفجار. غير أن العراق، بحكم الجغرافيا والتداخل الاجتماعي والسياسي مع إيران، سيكون الأكثر تأثرًا، ليس فقط أمنيًا، بل في بنيته السياسية الداخلية.
في الداخل العراقي، لا يمكن قراءة الموقف من احتمالية الضربة بمعزل عن بنية النظام الذي تشكّل بعد 2003. المكوّن الشيعي، بوصفه القوة الغالبة في السلطة التنفيذية والتشريعية، يعيش معادلة معقدة بين شرعية الحكم وهاجس الهوية، فالأحزاب الشيعية ليست كتلة صماء؛ بعضها يرفع شعار السيادة الوطنية واستقلال القرار، وبعضها يرتبط استراتيجيًا بمحور تقوده طهران.
وإذا ما وُجِّهت ضربة لإيران، ستجد هذه القوى نفسها أمام معضلة مزدوجة: كيف تحافظ على تماسك الحكومة وعلاقاتها مع واشنطن من جهة، وكيف تضبط الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران من جهة أخرى، وهي فصائل قد ترى في العراق ساحةً للرد غير المباشر؟
الخطر هنا لا يكمن فقط في احتمالية الصدام مع القوات أو المصالح الأميركية داخل العراق، بل في إعادة عسكرة المجال السياسي، فكلما ارتفعت حرارة الإقليم، تقلص هامش الدولة واتسع نفوذ السلاح خارجها. ومع ذلك، قد يفتح التهديد الخارجي نافذة معاكسة، إذ يمكن لبعض التيارات الشيعية أن تعيد تموضعها تحت عنوان حماية الدولة ومنع الانزلاق إلى حرب بالوكالة، خصوصًا في ظل تململ شعبي واضح في الوسط والجنوب من تغوّل النفوذ الإيراني. هذا المزاج الشعبي، الذي تشكّل خلال سنوات من الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات، يُميّز بين الانتماء المذهبي والمصلحة الوطنية، وقد يشكّل عنصر ضغط لإعادة تعريف العلاقة مع طهران إذا ما ضعفت الأخيرة أو انكفأت.
أما المكوّن السني، الذي خسر الكثير من نفوذه بعد 2003، فيتعامل مع التطورات ببراغماتية حذرة، فهو من جهة يرى في تقليص النفوذ الإيراني فرصة لإعادة التوازن داخل مؤسسات الدولة، ومن جهة أخرى يدرك أن أي فوضى إقليمية جديدة قد تعيد إنتاج مشاهد الانهيار الأمني والإرهاب في مناطقه التي لم تتعافَ بالكامل. الأولوية في المزاج السني العام ليست الاصطفاف مع محور ضد آخر، بل تثبيت الاستقرار وإعادة الإعمار وتحصين المدن من تحوّلها مجددًا إلى ساحات صراع. لذلك، فإن الموقف السني يميل إلى دعم أي مسار يضعف الاحتكار الأحادي للقرار دون أن يفتح الباب أمام حرب شاملة.
في المقابل، يتبنى الكُرد واقعية سياسية مشهودة، فإقليم كُردستان يرتبط بعلاقة استراتيجية مع واشنطن منذ عقود، لكنه في الوقت ذاته يتقاسم حدودًا ومصالح اقتصادية مع إيران وتركيا. القيادة الكُردية ستسعى، على الأرجح، إلى تجنب الانخراط المباشر في أي مواجهة، مع الحفاظ على شراكتها مع الولايات المتحدة، ومنع استخدام أراضي الإقليم كمنصة صراع. إضعاف إيران قد يخفف بعض الضغوط على الإقليم، لكنه قد يفتح الباب أمام دور تركي أوسع، وهو ما يفرض معادلة توازن دقيقة مع تركيا، خاصة في ظل حساسيات الملف الكُردي إقليميًا.
إقليميًا، لا يمكن فصل العراق عن ساحات التأثير المتداخلة. في سوريا، أي تراجع للدعم الإيراني سيعيد خلط الأوراق بين القوى الفاعلة، وقد يعزز أدوارًا أخرى، إقليمية أو دولية. أما دول الخليج، فتنظر إلى إضعاف إيران كتحول استراتيجي محتمل، لكنها تخشى أن يكون الثمن فوضى تهدد طرق الطاقة واستقرار الأسواق. وهكذا يصبح العراق عقدة الوصل بين مخاوف الجميع وطموحاتهم.
السيناريوهات بعد أي ضربة أميركية تتراوح بين احتواء محدود يقتصر على ضربات مركزة، وتصعيد واسع يمتد عبر وكلاء إيران في المنطقة، وصولًا إلى احتمال إضعاف شديد للنظام الإيراني يعيد تشكيل التحالفات. في كل هذه الحالات، سيكون على واشنطن إعادة صياغة علاقتها بالقوى الشيعية الحاكمة، وطمأنة السنة، وتثبيت شراكتها مع الكُرد، مع إدراك أن العراق لم يعد ساحة مفتوحة كما كان، بل دولةً لها حساباتها الداخلية وضغوطها الشعبية.
الخلاصة أن الضربة المحتملة، إن وقعت، لن تكون مجرد حدث عسكري، بل لحظة مفصلية قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. بالنسبة للعراق، هي لحظة مزدوجة: فرصة لإعادة بناء توازن داخلي أكثر استقلالًا، وخطر بالانزلاق مجددًا إلى حرب بالوكالة. الفارق بين المسارين لن تحدده نوايا الخارج بقدر ما ستحدده قدرة النخب العراقية على تحويل التحولات الإقليمية من تهديد وجودي إلى لحظة تأسيس جديدة لدولة سيدة القرار القائمة على إرادة الذات وسيادتها.