إيران فقدت صلاحيتها للولايات المتحدة
لم يعد السؤال الذي يدور في ذهن كثير من المراقبين، ما هي حدود الصفقة المتوقعة بين واشنطن وطهران، لكن متى تقوم القوات الأميركية بقصف الأراضي الإيرانية. يشير تضارب التقديرات بشأن المفاوضات بين الجانبين إلى ميل كبير نحو العمل العسكري.
تبدو التسوية السياسية بعيدة المنال. ما جرى من لقاءات في كل من مسقط وجنيف مؤخرا هو من قبيل تهيئة الظروف للتوجه نحو مزيد من الخشونة الأميركية.
سواء تمت التهدئة أم مضت الولايات المتحدة في طريقها العسكري بحسم، فإن طهران انتهت صلاحيتها كفزاعة إقليمية في الأجندة الأميركية. ساعدت في أوقات سابقة على تطويق الولايات المتحدة المنطقة بمزيد من الجيوش والقواعد العسكرية. كما فقدت صلاحيتها كحليف إستراتيجي لها في أواخر عهد الشاه محمد رضا بهلوي، الذي ساعد واشنطن كثيرا على تحقيق جملة من أهدافها الأمنية والسياسية.
تؤكد الرؤى المتباينة، لجهتي التفاؤل والتشاؤم، داخل الأروقة الأميركية والإيرانية عقب جولة جنيف يوم الخميس الماضي، أن كل طرف يملك من الأوراق ما يعزز موقفه في مواجهة الآخر. وعادت المعادلة الصفرية بين واشنطن وطهران بتغذية واضحة من اللوبي الإسرائيلي الراغب في استثمار هذه اللحظة للتخلص من كابوس إيران الإقليمي. كلما تأخر التوصل إلى تسوية مقنعة وارتفعت وتيرة المناورات، زادت فرص الحل العسكري. إذ يصعب أن يكون التحشيد الأميركي أداة لفرض السلام بالقوة وإجبار إيران على تقديم تنازلات هيكلية للرئيس دونالد ترامب.
يعزز انشغال العالم بما يدور في كواليس المفاوضات، وتدفق المعدات الأميركية على الشرق الأوسط، الاستنتاجات الرائجة حول ضرورة التخلص من قوة إيران العسكرية وإجبارها على أن تكون بطة عرجاء لا تمثل تهديدا لأي من دول المنطقة في أي مرحلة لاحقة. هذه فرصة إسرائيل في تطبيق رؤية رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو بشأن إعادة هندسة المنطقة بما يمنح بلاده تفوقا نوعيا لفترة طويلة.
تعد فكرة انتهاء صلاحية النظام الإيراني جوهرية في فهم أبعاد الصراع الراهن، فطهران التي أُطلقت يديها تحت سمع وبصر واشنطن، في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتفاخر ساستها بسيطرتهم على صناعة القرار في عدد من العواصم العربية، أدت الغرض المتمثل في زيادة النزاعات والفوضى، وتحويل إيران إلى فزاعة. والآن لا توجد حاجة للقيام بهذا الدور بعد أن شهدت المنطقة تطورات لا تصب في مصلحة طهران أدت إلى تقليم جزء معتبر من أظافرها الأيديولوجية.
أي تنازلات يمكن أن تقدمها إيران في برنامجها النووي لن تكون مقبولة في غياب تنازلات أكبر في أدواتها الأخرى ممثلة في برنامج الصواريخ الباليستية ووقف تمويل أذرعها الإقليمية وفض الشراكة معها والسماح بحرية التظاهر ومنع استهداف المحتجين في إيران، ما يعني تضييق الخناق على قيادتها للإعلان عن رفض المطالب الأميركية ومنح واشنطن الحجة التي تنتظرها لتوجيه ضربة عسكرية إليها.
تنطوي زيادة الحشد الأميركي على استعداد التعامل بقوة مع أي مبادرة إيرانية أو رد فعل عسكري غير متوقع ومحاولة تحييد كل من روسيا والصين لمنع اندلاع حرب عالمية جديدة في ظل الحديث عن حصول طهران على تكنولوجيا عسكرية متقدمة من البلدين، تفضل الولايات المتحدة التريث إلى حين التخلص من توابع هذه الخطوة. فالرئيس ترامب لا يريد تكبد خسائر في الأرواح البشرية أو التعرض لمأزق إستراتيجي يؤدي إلى إنقلاب الداخل الأميركي على الحزب الجمهوري.
فقدت إيران صلاحيتها للولايات المتحدة بعد أن تورطت الأولى في عدد من الصراعات الإقليمية بشكل مباشر وغير مباشر وأدت المهمة المطلوبة بعد أن تمكنت واشنطن من إعادة صياغة تحالفاتها الإقليمية بشكل جيد ونشر عديد من قواتها في قواعد رئيسية بالمنطقة، ما تسبب في تقليص مساحة الحركة التي يمكن أن تعتمد عليها إيران وتساعدها على رفع منسوب الإزعاج للإدارة الأميركية الحالية.
أكدت التجربة الأميركية في التعامل مع إيران خلال حرب الـ12 يوما في يونيو/حزيران الماضي أن الخداع سمة في إدارة العلاقات مع طهران، فقبل ساعات من مفاوضات كانت منتظرة، شنت إسرائيل عمليات عسكرية ضد إيران ودخلت الولايات المتحدة على خطها سريعا. قالت في حينه إنها أجهزت على البرنامج النووي ولن تتمكن طهران من إعادته للحياة. المفاجأة أن العالم بات شاهدا على أن واشنطن تراجعت عن هذه الرواية وباتت تردد نغمة سياسية من أجل العودة لتوجيه ضربة أشد قسوة قد تؤدي إلى سقوط النظام الإيراني.
قل ما شئت حول التصريحات الإيرانية والتهديد والوعيد للقوات الأميركية، لكن لا أحد يثق في أن يتحول ذلك إلى فعل حقيقي يكبّد الولايات المتحدة خسائر باهظة. بعيدا عن هذه الخسائر المحتملة، يتجاوز قرار التعامل مع إيران هذه المرة عملية ترويضها، فالمطلوب تركيعها وتغيير نظامها.
ورغم التحذيرات التي تلقتها واشنطن من عواصم في المنطقة، غير أن إنتهاء الصلاحية الإيرانية لم يعد محل مراجعة كبيرة داخل البيت الأبيض، فالأجواء التي يوفرها الإعلام الأميركي ومعه نظيره الإسرائيلي، تدعم فكرة النيل بقسوة من إيران وإخراجها تماما من معادلة اللاعب المحوري في المنطقة.
لن تتغير المنطقة على مقاس إسرائيل في وجود إيران، باعتبارها خطرا داهما عليها. ومن الأدوات التي تشير إلى تعدد جبهات النظام الإقليمي. ولدى واشنطن قناعة ظهرت في تصريحات بعض المسؤولين فيها بضرورة هيمنة إسرائيل على مفاتيح الحل والعقد في الشرق الأوسط والتخلص من أي خطر حال أو محتمل تمثله إيران هو خطوة أولى لإعادة ترتيب المنطقة وفقا لرؤية نتنياهو، الذي يعتقد أن دور طهران كوسيلة يتم الاستناد عليها لتوسيع نطاق الصراعات تمت تجاوزه.
وإذا جرى تفويت الفرصة التي استعدت فيها واشنطن للتعامل بقوة جبارة مع طهران قد تخسر إسرائيل ما حققته من مكاسب كبيرة عقب اندلاع الحرب الأخيرة على قطاع غزة بعد عملية طوفان الأقصى وتوابعها المتباينة في المنطقة.
يريد الرئيس ترامب ترتيب شؤون العالم على طريقته. يعتقد أنه مبعوث العناية الإلهية تحت ذريعة جعل أميركا عظيمة التي انتخب على أساسها يريد التخلص من بعض الأنظمة التي تؤرخ لحقبة قديمة بغيضة له في مقدمتها إيران، ما يجعله يختلق المشاكل معها وإن أبدت تجاوبا مع مطالب وفده على طاولة المفاوضات أو أظهرت مرونة نسبية لتبديد هواجسه. طالما ظلت فكرة إنتهاء الصلاحية الإيرانية حاكمة في عقل ترامب سيكون من الصعب التوصل إلى قناعة مشتركة ونزع فتيل الضربة القاضية.