تثبيت رواية النصر في الحرب الإيرانية
القاهرة - أحد أبرز المشكلات التي يمر بها وقف إطلاق النار في الحرب الإيرانية واحتمال انهياره، أن كل طرف يريد تثبيت رواية نصر معينة خاصة به. يقدمها إلى جمهور راهن على الفوز المادي.
الولايات المتحدة تسعى لتأكيد أن تفوقها العسكري حقق أهدافها الاستراتيجية، وتمكنت من إجبار طهران على تلبية مطالبها الرئيسية في قضيتي وقف البرنامج النووي وتسليم اليورانيوم المخصب لها، باعتبارهما السبب المحوري المعلن للحرب، وأنها على استعداد لإبداء مرونة في قضايا أخرى.
ترغب إيران في استثمار عدم تهاوي نظامها والصمود في الميدان لنحو أربعين يوما، للإيحاء أنها الطرف المنتصر وتجد في رفض صيغة صفر تخصيب وسيلة لتعزيز رؤيتها وقدرتها على خوض معركة جديدة لفترة طويلة بلا خوف من آلة الحرب الأميركية الجبارة والحشود العسكرية التي تتمركز على مشارف الخليج العربي.
يحتاج تثبيت قصة النصر وفقا لوجهة نظر كل طرف إلى تنازلات كبيرة من الجانبين، ما جعل الجلوس على طاولة المفاوضات للمرة الثانية في إسلام أباد تلقى ممانعة حتى الآن. تُحسب الخطوات بدقة شديدة قبل استئناف محادثات يعتقد كثيرون أن التئامها يعني حل الخلافات الجوهرية وإيجاد علاج للقضايا العالقة.
ولأن المسافات متباعدة، حتى صباح الأربعاء، باتت الحاجة ماسة إلى مزيد من الوقت لتنضج الطبخة السياسية، ويتمكن الوسيط الباكستاني من تجسير الهوة وتقديم حلول خلّاقة تحفظ ماء وجه الطرفين بعد أن سادت تصورات أن إسلام أباد قطعت شوطا في مهمتها وأوشكت على تجهيز المسرح لتوقيع صفقة بين واشنطن وطهران.
تبدو سردية النصر في غاية الأهمية لكل من الولايات المتحدة وإيران. إذا كانت الأهداف التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إسقاط النظام والتخلي عن الوكلاء في المنطقة وتقصير مدى الصواريخ البالستية والسيطرة على النفط عملية غير ممكنة حاليا، فإن القضاء على البرنامج النووي من خلال المفاوضات يحتل أولوية كبيرة في أجندته.
يوحي التمسك بورقة الحصار البحري أن طهران وقعت بين سندان العمل العسكري ومطرقة التكلفة الاقتصادية التي يحملها استمراره.
يتمكن ترامب بهذه الطريقة من تقديم صورة استعراضية جذابة للنصر إلى جمهوره. يوقف زحف الخلافات التي تتصاعد في أوساط الحزب الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. يفرمل الضجيج الإعلامي الذي يحاصره بسبب ما يتردد حول دخول الحرب من دون وضوح الأهداف عقب تذبذبه في تحديد دوافعها، والغرض الاستراتيجي منها، وما خلفته من تداعيات اقتصادية باهظة.
تتصرف إيران وكأنها على يقين من أن الرئيس ترامب لا يريد العودة للحرب. يتعمد خطابها الرسمي الحديث عن استعداد لجولة أخرى، بما يخفف من وطأة الرواية المتداولة حول انهيارها عسكريا وفقدان المقدرات التي تمكنها من مجابهة القوة الأميركية. كما تتظاهر أن لديها معلومات تساعدها على تفكيك الحصار البحري والكشف عن جوانب هشة فيه لأنها لا تزال تقبض على مفاتيح مضيق هرمز، وفوتت الفرصة على محاولة نزع هذه الورقة من بين يديها، ما يساعدها على تقديم صورة تؤكد عدم الانحناء في مواجهة الأساطيل الأميركية التي تتدفق على المنطقة.
تحولت نظرية الرجل المجنون التي أشرت إليها في مقال سابق بعنوان (النظريات الشائعة في الحرب الإيرانية) من الولايات المتحدة إلى إيران. يتسابق كلاهما في التصعيد الكلامي. لم يعد هذا البعد قاصرا على الرئيس ترامب الذي خضعت تصريحاته للفحص بناء على هذه النظرية. بدأ الحرس الثوري يستخدمها أيضا لتفشيل المعاني السياسية التي تحملها بين أحشائها، أو الدخول في منافسة حول من يصرخ أولا. يرمي الوصول لهذه المرحلة لتثبيت صورة خيالية تتقدم على النصر نفسه.
في هذه الحرب من الصعوبة القطع بمعرفة قواعد النصر والهزيمة النهائية. لم يعد البعد العسكري خيارا وحيدا للتعرف على هذه القواعد. هناك مكونات سياسية واقتصادية وترتيبات أمنية تضم مستويات استراتيجية سوف تلعب دورا مهما في قياس تأثير ما يحيط بها، ما يعزز الالتباس الذي يسمح لكل طرف تقديم الرؤية الخاصة به، من وازع رغبته في اقناع جمهوره، بعيدا عن الحقيقة والزيف في المضامين.
يدرك الجانبان أن التصريحات الرسمية وشبه الرسمية وما تنشره وسائل الإعلام بشتى أنواعها وانتماءاتها وما يتردد في العالم الافتراضي، تسهم بدور معتبر في تثبيت أو نفي الرواية المطلوبة ويفسر المُعطى الإعلامي لجوء الطرفين إلى الافراط في تدفق المعلومات المتناقضة. تكاد الحرب أن تنتقل من الميدان العسكري إلى الإعلامي وهو ما انتبهت إليه إيران مؤخرا، عندما وجدت الرئيس ترامب يسرف في توظيف الإعلام وأخذت روايته للحرب وتوابعها تحتل مكانة بارزة في مواجهة طهران.
المشكلة أن إيران قابلت الافراط الإعلامي الأميركي بآخر مضاد لا يكفي لتغيير الحقائق، وجعل السباق في التصريحات النظرية بديلا عن التصعيد العملياتي. يؤكد التركيز على هذا المنحى أن واشنطن وطهران وصلتا إلى قناعة بأن استئناف الحرب سوف يؤدي إلى الدخول في مرحلة استنزاف كبيرة وممتدة، لكن استبدالها بالتصريحات الإعلامية الزاعقة لا يضمن عدم العودة إليها.
في ظل تشدد إيران على التمسك بإغلاق مضيق هرمز، وعدم رغبة الولايات المتحدة التخلي عن رفع الحصار البحري، يمكن أن تحدث احتكاكات عسكرية. ومع عزم بعض السفن قبل وبعد هرمز على المرور، من السهل أن يظهر حادث طارئ غير مقصود يتم تفسيره على أنه استهداف متعمد. بقية القصة معروفة، بدءا من تهيئة الأجواء لالتحام عسكري واسع أو محدود، إلى انخراط قوى أخرى في الاستنزاف العسكري والإعلامي. قوى لها سفن ومصالح قريبة من منطقة المناوشات.
لن تنتهي المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وسط عواصف إعلامية وحشود عسكرية واستعدادات سياسية للوصول إلى مدى بعيد من أجل تثبيت الرواية التي يريدها كل طرف. هذه من أبرز مخاطر الحروب المعلقة، والصدامات التي تحمل طابعا عقائديا معلنا أو خفيا.
الاهتمام بما يقوله الرأي العام وما يحكيه التاريخ ضمن أولويات البلدين بشكل يضاعف من صعوبة المأزق الذي يواجهه الوسيط الباكستاني وقدرته على طرح صيغة مرضية لطرفين يملك كلاهما رواية تساعده على التفاخر بالنصر، ما يفتح الباب أمام العودة إلى الخيار العسكري لحسم هذه الازدواجية.