حبكة درامية في "رأس الأفعى" تكشف ألاعيب الإخوان

مسلسل "رأس الأفعى" تطرق إلى الدور المهم والخفي الذي لعبه القيادي محمود عزت وحسم إشكالية سفره للخارج أم بقائه داخل مصر فترة طويلة. والأماكن التي لجأ إلى الإقامة بها والاختفاء عن أنظار الناس.

القاهرة- في كل عمل تقدمه الدراما المصرية عن جماعة الإخوان المسلمين، يثار جدل حول مدى القدرة الفنية على كشف زيف الجماعة وألاعيبها السياسية. حيث يتعمد محسوبون على الإخوان التقليل مما يتم عرضه في كل مرة.

 وعقب عرض أولى حلقات مسلسل "رأس الأفعى" على عدد من القنوات المصرية مع بداية شهر رمضان، تجدد النقاش بقوة هذه المرة، لأن العمل تناول سيرة أحد أكبر قادة الجماعة (محمود عزت) الذي تولى قيادتها عقب سقوط حكمها بمصر منذ نحو 13 عاما.

لا يعرف كثيرون أن محمود عزت، المعروف برأس الأفعى تاريخيا، لعب دورا مهما في كثير من أحداث العنف التي وقعت في البلاد قبل وبعد سقوط نظام الإخوان. ويوصف بأنه مهندس عديد من العمليات الإرهابية التي تلت فض اعتصام رابعة العدوية بالقاهرة في أغسطس/اب 2013.

ويسهم تناول سيرته في عمل درامي في عرض مجموعة من الحقائق المجهولة عن قطاع عريض من الجمهور العربي من خلال توليفة تعتمد على وقائع حقيقية، مصحوبة بمعالجة فنية عميقة.

مسلسل "رأس الأفعى" ليس العمل الأول الذي يتناول سيرة جماعة الإخوان في الدراما المصرية، فقد سبقته أعمال كاملة عن مسيرتها، مثل مسلسل "الجماعة" من تأليف الراحل وحيد حامد. ومسلسل "كلبش" ومسلسل "الاختيار". وكان من المفروض أن يصبح "الأفعى" الجزء الرابع في سلسلة "كلبش"، لكن الرؤية الفنية والقصصية والرسالة المطلوب توجيهها رأت عرضه منفصلا ويحمل اسما مستقلا. ويعزز إسناد البطولة للفنان أمير كرارة الرابط المباشر بينه وبين مسلسلي "كلبش" و"الاختيار".

يجمع العمل بين السرد الفني وبين تطورات حدثت فعلا، فإلى جانب البعد التمثيلي المستمد من قصة حقيقية، يعرض العمل لقطات مما بثته وسائل إعلام مصرية في حينه بشأن عمليات إرهابية ارتكبتها جماعة الإخوان وجرى عرضها وإلقاء القبض على متورطين فيها من دون تفسيرات مفهومة وقتها. وهي ثيمة استخدمت بكثافة من قبل في الجزء الثالث من مسلسل "الاختيار" لإقامة الحجة على الجماعة، وتأكيد أن العمل مستوحى من أحداث قرأ عنها وسمعها وشاهدها الجمهور من قبل.

رفع مسلسل "رأس الأفعى" الغطاء عن كثير من التطورات التي لا يعلم المصريون عنها الكثير من التفاصيل مثل محاولة تدمير محطة مترو أنفاق (أحمد عرابي) بوسط القاهرة وإنقاذ آلاف الركاب بسبب زرع عبوة ناسفة في المحطة، الأمر الذي يزيل أي تعاطف مع جماعة الإخوان التي لا تتوقف حاليا عن تحريض المواطنين على النظام المصري الحاكم مستخدمة سلاح غلاء الأسعار وزيادة التضخم والأزمة الاقتصادية بشكل عام كوسيلة لفصم العلاقة بين الحكومة والشعب.

نجحت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في تقديم هذه النوعية من الأعمال التي تلقى رعاية واضحة من المسؤولين في مصر. وتحرص على تقديمها بصورة جذابة ومنطقية لتحقيق جملة من الأهداف السياسية في مقدمتها دحض خطاب الإخوان الإعلامي القائم على تزييف الحقائق ووقف التعلق بسلاح المظلومية، بزعم أن الجماعة تواجه مؤامرة مكتملة الأركان من النظام المصري.

شريف منير جسد باقتدار شخصية محمود عزت
شريف منير جسد باقتدار شخصية محمود عزت

كما تساعد هذه الأعمال الفنية في فك شفرات بموجبها تمكن تيار الإسلام السياسي من اللجوء إليها للتشكيك في الخطاب الإعلامي الرسمي بمصر لأن تقديمها يجمع بين الخيال الفني وبين تطورات مفصلية شهدتها الدولة المصرية خلال فترة حرجة.

يشارك في بطولة "رأس الأفعى" أمير كرارة في دور ضابط بجهاز الأمن الوطني، ومعه أحمد غُزي وكارولين عزمى ومراد مكرم، في أدوار ضباط أيضا وبرتب مختلفة.

ولعب دور محمود عزت الفنان شريف منير الذي حاول تقمص الشخصية بكل ما تحويه من صرامة أمنية ونعومة إنسانية وهي معادلة بحاجة إلى فنان كبير يستطيع التفرقة بينهما في لحظات متعددة، ويقنع الجمهور أنه شخص واحد، يملك قدرات فائقة للتنقل بسلاسة من الخشونة إلى المرونة تدريجيا.

ترمي المتحدة للخدمات الإعلامية المنتجة للعمل إلى مواصلة طريقها في تقديم أعمال يتداخل فيها السياسي والأمني والاجتماعي والفني. في هذا المسار تريد تأكيد أن حلقات الإخوان في مصر لم تنته بعد ولن تتوقف. ورغم مضي سنوات على تطويقهم، إلا أن شبح عناصرها حاضر لأنهم يملكون قدرة عالية على التخفي. جذورهم ممتدة داخل المجتمع. لن يعدموا التحايل على الناس للإيحاء بأنهم رقم محوري في المعادلة المصرية. من الواجب مواجهتهم بكل ما يتوافر من معلومات لدى أجهزة الأمن.

استطاع العمل لفت أنظار الجمهور في مصر بعد عرض أول ثلاث حلقات، إذا كان الجيل الذي عايش أحداث ثورتي يناير/كانون الثاني عام 2011  ويونيو/حزيران عام 2013 يعرف الكثير عن فكر جماعة الإخوان وما تمثله من مخاطر على الدولة، فإن هدف مسلسل "رأس الأفعى" التركيز على جيل شاب جديد من أجل تحصينه ثقافيا وسياسيا ومنع استقطابه بأسلحة السوشيال ميديا، كي لا يقع في براثن دعاية تسعى إلى تبرئة الإخوان من أحداث عنف وتخريب وإرهاب واستهداف رجال قضاء وضباط شرطة وجيش، وقعت في مصر على مدار العقد المنصرم.

توافرت للمسلسل إمكانيات مادية ومعنوية كبيرة ليتمكن القائمون عليه من نقل رؤيتهم بشكل محكم، فإذا لم تكن طريقة التناول جيدة ومتكاملة سوف يرتد العمل على صناعه ويحرف أهدافه عن مسارها الصحيح وربما ترتد على أصحابه، ما جعل عملية اخيتار طاقم التمثيل تخضع لمعايير دقيقة.

كما خضعت الرؤية الرئيسية للعمل إلى دراسة مستفيضة بغرض الاستفادة من المعلومات الأمنية التي تم توفيرها للمؤلف هاني سرحان والمخرج محمد بكير ليقدما معا عملا يليق بالرسالة المراد توصيلها.

تطرق مسلسل "رأس الأفعى" إلى الدور المهم والخفي الذي لعبه القيادي محمود عزت وحسم إشكالية سفره للخارج أم بقائه داخل مصر فترة طويلة. والأماكن التي لجأ إلى الإقامة بها والاختفاء عن أنظار الناس.

أنهى العمل ما تردد حول ازدواجية القيادة داخل الجماعة وانقسامها لثلاث جماعات متصارعة. طوت عملية إلقاء القبض على عزت منذ حوالي ستة أعوام صفحة محيرة. بدأت قيادات الإخوان تشهد تفسخا في القيادة تزامنت مع بدء العد التنازلي للتفسخ في الجدار الإقليمي الداعم لها.

يشير "رأس الأفعى" إلى خطورة توظيف القوة الناعمة في العمل السياسي. إذا تمكنت الدراما من تقديم معالجة فنية شاملة، فإن تأثيرها سيظل طويل المدى تتحول إلى مرجع عندما تتوافر لها معلومات غزيرة وبالتالي يمكن لجوء الأجيال القادمة إليها على سبيل معرفة ما حدث وكيف حدث من تطورات حول فترة زمنية مليئة بالأحداث الرمادية في مصر.

يحسب لهذا العمل أنه لم يلجأ إلى الافتعال والتشنج الفني. فضّل الابتعاد عن المكايدة السياسية المباشرة وهي رسالة تتجاوز حدود جماعة الإخوان وتصل إلى كل من يعنيهم الأمر داخل مصر وخارجها.