مصير اللحظة الإيرانية
تشير التطورات الحالية إلى أن المنطقة دخلت في مرحلة تفكيك ما يسمى باللحظة الإيرانية التي نجحت خلالها طهران في اختراق بعض الدول العربية. تفاخر قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني بأن بلاده تمكنت من السيطرة على مفاصل القرار في عدد من العواصم العربية المهمة. في إشارة على القوة والتوسع وزيادة النفوذ.
ومع أن البعض شككوا في هذا التصريح وقللوا من جدواه، غير أن مضمونه كان كاشفا على تغول إيران في المنطقة ورغبتها في عدم التخلي عما رأته مكتسبا سياسيا.
بدت سردية سليماني التي جرى تداولها على نطاق واسع معبرة عن طموحات طهران. جعلت بعض الدوائر العربية تتحدث بصوت مرتفع عن خطورة اللحظة التي وصلت فيها إيران إلى قلب وعقل أربع عواصم عربية في: العراق وسوريا ولبنان واليمن. تضاف إليها علاقات متينة مع قوى عربية مختلفة ليست حاكمة. وحركة حماس الفلسطينية التي أحكمت سيطرتها على قطاع غزة ونسجت علاقات جيدة مع إيران.
أخذ الصعود الإيراني في التراجع مع سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا منذ نحو عام ونصف العام. اضطرت طهران إلى التضحية به على أمل الحفاظ على نفوذها في مناطق أخرى. بدأت خلخلة النفوذ تزداد معالمها في غزة مع إصرار إسرائيل على تجريد حركة حماس من سلاحها بعد أن كبدتها خسائر باهظة في معداتها العسكرية على مدار نحو عامين من الضربات المكثفة.
تخللت ذلك عمليات عسكرية قاسية ضد حزب الله اللبناني. وسعي أميركي متواصل لتقويض حلفاء طهران في العراق. وجهود حثيثة لتقليم أظافر جماعة الحوثي في اليمن ومحاولات لابعادها عن إيران بالقوة تارة والإغراءات السياسية تارة أخرى.
في اللحظة التي ظهر فيها الانهاك جليا على وكلاء وحلفاء وأذرع طهران في المنطقة، بدأت عملية استهداف إيران مباشرة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو/حزيران الماضي لإجبارها على التراجع عن سياساتها الإقليمية وتوجهاتها في امتلاك أسلحة نووية. عندما أخفق الاستهداف العسكري في تحقيق أهدافه المعلنة أعيد تكراره على نطاق أكثر اتساعا ووجعا في نهاية مارس/آذار المنصرم. خسرت إيران جزءا كبيرا من مقدراتها العسكرية، إلا أنها اكتشفت عناصر قوة جديدة لديها ممثلة في ورقة مضيق هرمز التي زادت التكلفة الاقتصادية على المجتمع الدولي برمته.
أوحت معادلة هرمز أن اللحظة الإيرانية لم تنته تماما. يمكن أن تعاد صياغتها بشكل جديد. تمنح طهران نفوذا في منطقة الخليج العربي وتجارته الرائجة بعد تآكل أدواتها في سوريا. التصميم على تهشيمها في كل من لبنان والعراق واليمن وإجبار طهران على فصل العلاقة مع جميع حلفائها الذين يمثلون تهديدات متفاوتة لإسرائيل.
بدأت اللعبة التي قام بموجبها تأسيس الوكلاء كخط دفاع متقدم عن إيران تفقد زخمها. مع تعرض خط الدفاع الأول لضربات صعبة تمت استباحة أراضي الدولة مباشرة بكل أنواع الأسلحة الثقيلة عن قرب. أصبحت المواجهة مكشوفة. الوكلاء لن يمثلون قوة حقيقية للدفاع عن إيران. لم تعد الجغرافيا عاصما من الوصول إلى أي مكان.
لا تزال معالم الحرب الإيرانية ومآلاتها مجهولة. لم تتضح الملامح النهائية لمحادثات إسلام أباد. كل طرف يعتقد أنه حقق انتصارا بطريقته. عملية عض الأصابع بين إيران من ناحية وإسرائيل والولايات المتحدة مستمرة. وقف إطلاق النار الهش لا يعبر عن وقف الحرب. قد تستمر المفاوضات فترة طويلة. يمكن أن تؤدي إلى تسوية سياسية مقنعة لكل طرف ويمكن أن تعيد الحرب للواجهة بصورة أشد ضراوة.
الواضح أن هناك تآكلا في ما يوصف باللحظة الإيرانية التي امتلكت فيها طهران العديد من الأوراق لمناكفة خصومها في منطقة الشرق الأوسط. لكن من الصعب القطع بأن إيران سوف تنكفيء على نفسها وتمنح أولوية لشؤونها الداخلية. طالما استمر النظام بشكله العقائدي التقليدي ولم تحدث تحولات هيكلية في أدبياته لن ينكفيء. جزء من تصميم البنية الحاكمة لنظام الولي الفقيه يعتمد على التمدد نحو الخارج. التقوقع يعني التعرض لمزيد من ضربات الخصوم، سياسيا واقتصاديا وعسكريا.
تشير بعض المعطيات إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تريدان التخلص من التأثير الإيراني على بعض القضايا الإقليمية الذي ساد العقود الثلاثة الماضية. ظهرت بصماته في كل من سوريا والعراق ولبنان واليمن. أثبتت الحرب أن إسقاط النظام في طهران عسكريا عملية صعبة. تحتاج العملية المزيد من الوقت وتجهيزات لإحداث فوران داخلي. حرب استنزاف طويلة تقود لحصر اللحظة الإيرانية في منطقة الخليج.
تميل المناوشات الرائجة حول مضيق هرمز، والصعود والهبوط في المواجهة بين واشنطن وطهران، إلى التوصل لتفاهمات مشتركة تلبي الحد الأدنى لمطالب كل طرف في الوقت الراهن. تحصل الأولى على أغراضها في تحجيم البرنامج النووي وملحقاته العسكرية. تتمكن الثانية من تحصيل مكتسبات اقتصادية.
تقود هذه المسألة إلى حصر التجاذبات بين الجانبين في منطقة الخليج من خلال تمهيد الطريق للإيحاء بأن طهران على وشك أن تتحول إلى شرطي متغطرس في هذه المنطقة. السعي حثيثا نحو شيطنتها. تفرض اتاوات للمرور عبر مضيق هرمز. تريد التخلص من القواعد العسكرية الأميركية وتصفية الحسابات مع بعض دول الخليج.
يحقق تطبيق هذا الاتجاه للولايات المتحدة وإسرائيل رغبتهما في التوظيف السلبي لما تبقى من قوة عسكرية لدى إيران. تحدد الدرجة التي وصل إليها اضعاف وتراجع وابعاد وفصل العلاقة مع حلفائها المستوى الذي سوف يتم التعامل به معها خليجيا. المهم أن تضخم طهران استفزاز جيرانها هو البوابة للاجهاز على ما تبقى من أدوات للقوة. سيكون ذلك مبرر للاحتفاظ بالقواعد الأميركية في المنطقة إذا قررت واشنطن بالتوافق مع دول الخليج عدم مغادرتها والعمل على إصلاح ما جرى تخريبه منها.
كما أن هذه المحطة سوف تصبح وسيلة لإسرائيل لاستخدام الفوبيا الإيرانية لعدم التوقف عن استهدافها من الداخل والنيل من مصالحها في المنطقة. كذلك هو وسيلة لتطوير علاقات تل أبيب مع العواصم العربية الراغبة في الانخراط في مشروع الاتفاقيات الابراهيمية. بالتالي جعل طهران هدفا حيويا مشتركا. يصبح مصير ما تبقى من اللحظة الإيرانية الزاهية محصورا في منطقة محدودة. من السهل تطويقها. يتوقف نجاح أو فشل المواجهة على تعامل طهران معها واستيعابها دروس تجربتها التوسعية.