هل يمكن الحياد في زمن الحرب
بدأ هذا السؤال يتردد في أذهان كثيرين بعد أن قسمت الحرب الإيرانية الإعلاميين العرب إلى أكثر من قسمين. لم تعد الأزمة تكمن في من مع أو ضد شن هجمات على إيران أو توجيه النيران إلى إسرائيل ومصالح أميركية في المنطقة، بل في وجود من يبرر قيام طهران باستهداف مؤسسات خليجية مدنية، ويظهر نوعا من الاصطفاف مع طهران بحجة أن إدانتها تصب في صالح إسرائيل وتخدم الرؤية الأميركية.
أفرزت التعقيدات فرقا مختلفة من الإعلاميين بعضها يقف ضد إيران ويؤيد الفريق المقابل لها بشكل صريح وبعضها يدعم بوضوح منطقها ويتفهم رؤيتها في ضرب منشآت خليجية ولو كانت ذات أغراض مدنية.
هما فريقان مواقفهما لا تحتمل حيادا أو لبسا أو ضبابية. عناصرهما من جنسيات تنتمي إلى دول منخرطة في الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر أو لدى كل منهم مصالح مادية ومعنوية معروفة أو خفية.
سعت الجماعة التي يطلق عليها "نعم ولكن" تأييد الولايات المتحدة في ضرب إيران من دون مساس بالبنية التحتية والمصالح المدنية فيها أو دعم رد طهران على أميركا وإسرائيل، بعيدا عن الاقتراب من دول الخليج.
يمكن تحليل الكثير من المواقف بالعبارة الشهيرة التي صكها الصحافي المصري الراحل رضا هلال "جماعة بن لكن" إبان الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لمحاولة فهم تفسيراتهم، التي تميل إلى المسك بالعصا الغليظة من منتصفها.
يطلق هؤلاء على أنفسهم "محايدون". قد تكون هذه النوعية مطلوبة في القضايا الهامشية وتلك التي تحتاج إلى مناقشات ثرية وعقل مفتوح. يمكن من خلالها تفنيد الوقائع من باب يتطلب قدرا من المهنية للحصول على نتائج موضوعية.
تبدو المهمة غاية في الصعوبة عند استعمالها في الملفات الأشد حيوية. كل لفظ وكلمة وعبارة يمكن تفسيرها على أكثر من وجه. سواء تم ذلك في سياقها الصحيح أو أخرجت منه تعسفيا. يتوقف الأمر على الزاوية التي ينظر منها الشخص للحديث إذا كان ضد إيران سيجد ما يغري شغفه وإذا كان معها سيجد أيضا ما يرضيه.
تحول الحياد في حالة الحرب الإيرانية إلى موقف سياسي وليس إلى موضوعية مطلقة. في المعارك الشائكة والتطورات المتداخلة يصعب التمسك بفضيلة عدم الإنحياز، لأنها أصلا مشكوك في وجودها. رفض تأييد فريق لا يشير إلى رفض تام للفريقين أو عدم اقتناع بالمباراة نفسها، بل إلى هروب من الاختيار بينهما. كل محاولة للتحلي بالرصانة والشفافية والمصداقية لن تزيد صاحبها قبولا لدى الفريقين، كلاهما سيلجأ إلى التفسير الذي يريحه من أجل تصنيف هذا المحلل أو ذاك وفقا لما فهمه منه.
لجأت بعض وسائل الإعلام إلى محللين وخبراء وأكاديميين مؤيدين للدولة التي تتبعها. في زمن الحرب يتراجع الحياد، يستحيل اقناع الجمهور بوجهات نظر متقابلة.. يصبح الموقف حرجا عندما تقدم وسيلة نفسها بحسبانها تخاطب العالم العربي بأسره من المحيط إلى الخليج عندما تسعى لتوصيل رسالتها إلى جمهور متناثر في قارات عدة.
هناك محطات شكلت بانوراما من شخصيات متباينة في الجنسيات والهويات والانتماءات والتوجهات والتخصصات، والجامعات التي يعملون فيها مقراتها. يصل هذا الكوكتيل إلى تقديرات ورؤى واستنتاجات مختلفة. قد تكون هذه التوليفة مقبولة أو ممتعة لفئة من المشاهدين تبحث عن فهم ما يجري حولها. ربما تصبح حملا ثقيلا على الوسيلة التي تستضيفهم والدولة التي ترعاها وتقوم بتمويلها. يتوقف مستوى الرضاء والرفض، الاستمرار والتوقف، على الأجندة التي تتبناها وسيلة الإعلام لأنه لا توجد حرية كاملة بلا ثمن، فخيار الحياد طفيف إن لم يكن معدوما، تظهر المعالم في تمثيل ذوي التوجهات السياسية وطريقة إدارة البرنامج من قبل الإعلامي.
مخطئ من يظن أن الحياد يمكن العثور عليه في زمن الحرب. التظاهر به لا يعني وجوده. رفع شعار الرأي والرأي الآخر فقد بريقه. هناك مذيعون ومحللون وخبراء وصحافيون جيدون. ثمة وسائل إعلام تسعى لتقصي الحقائق. العثور على المعلومات عملية صعبة، تتحول لشبه مستحيلة في دول.
المعلومات المغرية التي نجدها منشورة قد يتم تسخيرها لأهداف معينة أو تصطحب معها بيانات مبتورة أو مضللة. تتزايد هذه المعالم وقت الحرب، حيث يتقاطع الإعلام مع من يقبضون على دفة الحرب.
يشبه الحياد في زمن الحرب المشي داخل حقل ألغام. كلما حاولت تفاديها تجد نفسك محكومة بالخوف من انفجار لغم. يتم أحيانا تناول قضية مثيرة بلا مراعاة لحسابات وسيلة الإعلام التي يطل منها الضيف. يمكن أن يتعرض هنا لمقاطعة واستهجان إذا أصر على استكمال رؤيته بطريقته. اعتقادا منه أنه يرغب في الحفاظ على حياده.
طلب مني صديق مسؤول في قناة تلفزيونية ترشيح ضيف يتحدث حول قضية شائكة. رشحت له إسما يتحلى بالموضوعية. خشي أن يتبنى رأيا معارضا لتوجهات المحطة. اقترحت التنبيه عليه بمراعاة الخط السياسي. كان الرد بليغا "لست بحاجة إلى تنبيه الضيف. المحلل مهما كانت مهنيته عليه مراعاة طبيعة المحطة ومسارها التحريري". مردفا "إذا طلبت منه ذلك مباشرة قد يتاجر بكلامي سياسيا ويتسبب لي في حرج".
تأكدت وقتها أن المحطة ليست بحاجة إلى تقديم إرشادات أو وضع خطوط حمراء للضيف، فهي تعلم توجهات من تختاره وهو يعلم توجهاتها طالما قبل بالظهور عليه ألا يحيد عن خطها.
الحياد لا يعني مخالفة التوجه السياسي للمحطة. الموضوعية لا تخول لأحد تبني رؤية معارضة وصياغة منظومة أفكار تسير في اتجاه معاكس.المقابلات الإعلامية العربية في وقت الحروب تختلف عنها في وقت السلم. تتضاعف الحساسية عندما تكون الجهة الراعية لوسيلة الإعلام طرفا فيها أو لها علاقة بها أو الدولة التي تبث منها سوف تتأثر بالتطورات السياسية.
يمكن تفهم استعانة بعض وسائل الإعلام بمحللين وخبراء وصحافيين من دول خليجية هم أقدر على تقديم رؤى دولهم بوضوح. كشفت الحرب عن وجوه تستحق الاحتفاء بها. لا تنكر إنحيازها لدولها. تقدم رؤى بمهنية عالية. تختلف أو تتفق معها، لكن لا تملك سوى احترامها، لأنها تنطلق من معاناة حقيقية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية.